الأحد، 16 نوفمبر 2014

أسباب الخريف الإفريقي في بوركينا فاسو

الرأي الازوادي - وكالات

 ثلاثة أيام من الاحتجاجات كانت كافية لإنهاء سبعة وعشرين سنة من حكم الرئيس كومباوري، حيث لم يقبل شعب بوركينا فاسو محاولة رئيسه تعديل الدستور الذي كان يمنعه من الترشح لولاية خامسة. وأمام غضب الشارع، حاول بليز كومباوري في البداية إنقاذ نفسه من خلال سحب هذا التعديل، قبل أن يقرر في وقت لاحق الاستقالة.
وأمضى، الأربعاء، الكولونيل إسحاق زيدا، الذي نصبته قيادة الجيش لقيادة المرحلة الانتقالية في البلاد بعد تنحي الرئيس بليز كومباوري ولجوئه إلى ساحل العاج، اتفاقًا مع المعارضة والمجتمع المدني، فضلاً عن الزعماء التقليديين والدينيين، “لتشكيل حكومة انتقالية لمدة سنة واحدة “، و” تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية قبل نوفمبر 2015 “.
تلاشي الآمال الديمقراطية
مع وجوب اليقظة، فإن هروب كومباوري يعتبر حدثًا تاريخيًا في إفريقيا، فلأول مرة يضطر رئيس دولة إفريقية لأن يترك منصبه تحت ضغط شعبي بعد محاولته العبث بالدستور. ولكن، هذه ليست صدفة أن شعب بوركينا فاسو هو أول من انتزع هذا النصر لصالح سيادة شعب.
فمنذ فترة طويلة، كان يعتقد شعب بوركينا فاسو أن نظام الحكم يسمح بالتناوب. وخلال القمة الفرنسية الإفريقية في بول في عام 1990، بيّن الرئيس الفرنسي، فرانسوا ميتران، أن “المساعدات التنموية ستصبح مشروطة بمسار التحول الديمقراطي”.
في بوركينا فاسو، سلمت الحكومة العسكرية، التي جاءت بعد انقلاب عام 1987، الحكم إلى الجمهورية الرابعة مع وضع دستور جديد، ينص على التعددية الحزبية والانتخابات بالاقتراع العام.
ولكن، سرعان ما أصيب الناس بخيبة أمل، فبحسب بيتر راتل، المدير العلمي لمخبر المواطنة في واغادوغو، فإن “ما حدث بالفعل، هو تركيز نظام شبه سلطوي، بمعنى أنه يحترم الإجراءات الديمقراطية، ولكن كل شيء يتم التحكم فيه سياسيًا من قبل الحزب الحاكم”، ففي عام 1997، حذف كومباوري المادة 37 التي تنص على أن مدة الرئاسة قابلة للتجديد مرة واحدة. ولم تستطع المعارضة، المجزأة لأكثر من سبعين حزب في ذلك الوقت، القيام بأية ردة الفعل.
طفح الكيل من “زمرة كومباوري
وبعد ذلك بعام، تسبب قتل الصحافي نوربرت زونغو في اندلاع حركات احتجاجية في البلاد، ولتهدئة الوضع، وافقت الحكومة في عام 2000 على إعادة المادة 37 من الدستور مع تأكيد عدم رجعيتها في حال قدم الرئيس كومباوري ترشحه للرئاسة من جديد في عامي 2005 و 2010، وهكذا فإن هذا الأخير “خرج ضعيفًا بعد الأزمة التي سببها مقتل زونغو. كما أعرب شعب بوركينا فاسو عن أسفه لعدم استفادته من هذه الأزمة لإبعاد كومباوري عن الحكم واستعادة الديمقراطية، وتعهد بعدم التفريط في الفرصة القادمة” بحسب بيتر راتل، الذي أضاف أنه “وفي الوقت نفسه، انفجر عدد السكان الذين هم أقل من خمسة وعشرين عامًا، ليمثل 60٪ من التعداد الإجمالي للسكان. ليصبح هناك صراع بين جيل الشباب الذي لم يعرف إلا نظام كومباوري، والجيل القديم من الذين لديهم مقاليد الحكم ومن حلفائهم”.
وهز شباب المدن النظام في عام 2011 بعد موجة من أعمال الشغب والمظاهرات الطلابية، ليصبحوا بذلك القوة الدافعة للحركات الاجتماعية التي لم تعد تقبل بـ”زمرة كومباوري”، هذه البرجوازية الثرية للغاية، والتي تحتكر لمدة ما يقرب من ثلاثة عقود جميع مواقع القيادة الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
وستكون إعادة النظر في مشروع القانون المتعلق بالمادة 37 في أكتوبر القشة التي قصمت ظهر البعير، و”الفرصة” التي لا ينبغي تفويتها. وهذه المرة، اصطفت المعارضة والمثقفون وحركات المواطنين لقيادة حوار وطني وتعبئة السكان، الذين استجابوا للدعوات للتظاهر والعصيان المدني.
تعزيز المعارضة
تدار أحزاب المعارضة بشكل رئيس من قبل الليبراليين الذين عملوا لصالح بليز كومباوري، هذه المعارضة التي احتشدت وراء الاتحاد من أجل الشعب بقيادة زعيم المعارضة زيفيرين ديابري، وزير المالية السابق لبليز كومباوري، والذي كان أيضًا المدير العام للمجمع الفرنسي “أريفا” في إفريقيا والشرق الأوسط.
كما أن لأحزاب المعارضة الميزة، كونها أصبحت منظمة بما يكفي لإنجاح، منذ يونيو حزيران عام 2013 ، عمليات حشد السكان في عديد من المرات وبحضور عشرات الآلاف من الناس.
كما قام المجتمع المدني بعديد من عمليات التعبئة، مثل عملية “المواطن المقشة”، والتي أنشأتها جمعية من الموسيقيين، الذين تعرضوا للتهديد بسبب كتابتهم لأغاني تمجّد توماس سانكارا، الرجل الذي حكم بوركينا فاسو قبل بليز كومباوري .
ولكن، ماذا بقي حقًا من الإرث السياسي لتوماس سانكارا، رمز عموم أفريقيا والعالم الثالث؟
جاء توماس سانكارا إلى السلطة في عام 1983، وكان قد قاد بلاده بنجاح على مسار الثورة والمناهضة للإمبريالية قبل أن يتم اغتياله في عام 1986، خلال الانقلاب الذي جاء بصديقه القديم بليز كومباوري إلى السلطة.
وقد طور نقدًا بليغًا ضد الاستعمار الجديد، حيث قال: “هذه المساعدات الغذائية، التي تستقر في أذهاننا لتجعلنا نتصرف كمتسول يطلب المساعدة. كل هذا نحن لا نريده! يجب أن ننتج، وننتج أكثر من المعتاد؛ لأنه من الطبيعي أن من سيوفر لك الأكل سيملي عليك إرادته”. وسانكارا، هو الرجل الذي رفض التوقيع على قروض مع صندوق النقد الدولي.
إرث سانكارا
الديون بالنسبة لسانكارا، كانت تعني “الرجوع بذكاء للمستعمر في إفريقيا، حتى يرتهن نموها وتطورها بمعايير غريبة علينا”.
ولكن في الواقع، فإن الإرث السياسي للزعيم الأسطوري هو أكثر من ذلك بكثير؛ إذ يقول بيتر راتل:  “إن الأجيال الشابة للمعارضة بالكاد تتذكر نظرة سانكارا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ما يدينون له هو تكريس وحدة شعب بوركينا فاسو، حيث جذّر سانكارا، وبعمق، فكرة الأمة والوطن؛ ونتيجة لذلك، وعلى عكس بلدان إفريقية أخرى، فإن الساحة السياسية في بوركينا فاسو لم تتعرض للتقسيم على أسس عرقية أو إقليمية أو حتى دينية. خصوصًا وأن بليز كومباوري اهتم بالخصوص بعدم اللعب بمثل هذا النوع من الانقسامات، وهو ما سمح للناس بالتكتل باسم المصلحة الوطنية، ضد النظام، ولكن أيضًا مع ضمان وحدة الجيش، هذا الجيش الذي كان في جزء كبير منه إلى جانب الشعب”.
العديد من الدول الإفريقية، في غينيا، والكاميرون، والكونغو، وبوروندي، وبنين، وجيبوتي أو في رواندا، تحلم من دون أدنى شك في أن تحذو حذو بوركينا فاسو وتمنع رؤسائها من إعادة كتابة الدستور لعديد من المرات. ولكنه، من غير المؤكد ضمان صلابة السياسات الوطنية لهذه البلدان بما فيه الكفاية، لتجنب الانقسامات بسبب الهوية.
المصدر- التقرير

الأحد، 9 نوفمبر 2014

البعد الإقليمي للقضية الأزوادية



الرأي الازواديأحمد خميس نوح

احتضنت الصحراء الكبرى في ساحلها ووسطها خليطاً من الشعوب ذات اللغات والتقاليد والألوان المختلفة عبر قرون من الزمن، بل امتزجت وتعايشت الشعوب في هذه البلاد قبل الإسلام حسب المعطيات التاريخية، وجاء الإسلام إلى ربوع الصحراء الكبرى في القرن الأول الهجري، واعتنقه كثير من أهالي المنطقة وخاصة أجداد الطوارق، وترسخت الثقافة الإسلامية وامتدت حتى وصلت إلى بعض مناطق السود في غرب إفريقيا، وهكذا نظم سكان التكرور حياتهم بشتى جوانبها (الدينية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية) بالرغم من اختلاف الألوان وتباين الألسن، فأنشأت حواضر إسلامية ثقافية علمية مشهورة كتينبكتو وجني وغيرها، وبرز علماء وفقهاء وأبطال، بل ظهرت مملكات ودول إسلامية، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر دولة سونغاي، التي عاش في ظلها البيض والسود بصورة اعتيادية يشتكون معاً من الأمير الظالم لظلمه وبطشه، ويثنون الخير على الأمير العادل لعدله وصلاحه، كالحاج أسكيا محمد، الذي ضم جيشه الطوارق وتعامل بصدق وإخلاص مع بعض علماء الطوارق وفقهائهم، إلى أن انتهى عهده، فاستمر الحال كذلك كل في مكانه يصانع جيرانه ويتعامل معهم حسب ما أمكن، إلى أن جاء الإستعمار في بدايات النصف الأول من القرن العشرين، فتصدى له شجعان الطوارق وقاوموه مع عدم تكافؤ العدة والعتاد، حتى أخضع سكان المنطقة بعد معارك مشهودرة استشهد فيها كثير من أبناء البلاد، وعندما حزم الاستعمار أمتعته للرحيل انتقم من الأزواديين بضمهم إلى السودان الفرنسي (مالي الحالية)، الذي أطلق على نفسه أخيراً اسم "مالي" إحياء وتخليداً لاسم مملكة مالي الإسلامية، التي يفتخر بها الماندينغو على أساس أنها من إنجاز أجدادهم، مما تشم فيه رائحة العنصرية التي ظهرت من الأيام الأولى لدولة مالي، وواكبت مسيرتها العملية عبر أنظمتها المتعاقبة تنمو مع الأيام وتتجسد في إذلال الأزواديين واحتقارهم وممارسة الابتزاز السياسي والاقتصادي معهم، وتهميشهم في بلدهم على مختلف الأصعدة وإهمال مناطقهم، ولا أدل على ذلك الإهمال مما شاهده العالم في السنوات الأخيرة من غياب أثر الدولة في المناطق الأزوادية الشمالية وخاصة التي تبعد عن النهر ويقطنها الطوارق، إذ لا تعليم ولا خدمات صحية ولا بناء ولا آبار ولا ولا ولا ..!!!

ومع ذلك كله فالدولة المالية تأخذ ضرائب على كل فرد وحيوان؛ بل تتخيل عدداً من حيوانات لا يملكها الشخص فتكتبه عليه لتأخذ عنها الضريبة إلى غير ذلك من أنواع الظلم والإضطهاد وألوان الإهانة والاستعمار، كما تأخذ مساعدات دولية باسم تنمية الشمال فتنفقها في الجنوب، ما أجبر أبناء أزواد من الطوارق على إعلان الثورة ضد النظام المالي 1963م، لرفع الظلم وانفصال إقليم أزواد عن مالي، فقابلتهم الحكومة المالية بالقمع بكل أنواعه والاضطهاد والتجويع والتشريد والإبادات الجماعية حتى أجهضت ثورتهم لتبدأ الاستعدادات والتوعية الفكرية لثورة أخرى، حتى تبلورت وظهرت سنة 1990م، ليتم القضاء عليها باتفاقية الجزائر 1992م، بعد فشل الجانب العسكري المالي في إخمادها، وهكذا كلما نشأت ثورة تطالب بالحقوق المسلوبة للأزواديين وتطمح إلى الانفصال عن المحتل المالي وتعذر القضاء عليها عسكرياً، كبلت مالي الثوار في قيود اتفاقيات لم تَعْدُ أن تكون حبراً على ورق، ولا تطبقها وحتى الآن، وما اتفاقية وغادوغو عنا ببعيدة.  
وإذا كان إقليم أزواد يشتكي من مظالم تاريخية أدت به إلى الانتفاضة، فإن إقليم آيير أزواغ لم يزل أيضاً منذ ثمانينات القرن الماضي يشكـو من أو ضاع مماثلة كالتهميش وانعدام التنمية في المناطق الشمالية مناطق آيير أزواغ، ويشكو أيضاً من انعدام العدالة في توزيع الثروات المعدنية، حيث شهدت النيجـر ثورة شمالية انطلقت شرارتها في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي وجرت اتفاقية 24 أفريل 1995م، والتي لم يتم تطبيقها بالشكل المطلوب الذي يؤدي إلى إنهاء النزاع بشكل كامل، ويطالب سكان آيير أزواغ  آنذاك بالحكم الذاتي أو الفيدرالية أو الانفصال، إلاّ أن الحكومة النيجرية أكثر مرونة -  فيما يبدو – مع الثوار من الحكومة المالية، إذ عمدت إلى ملاينة الثوار وإحلال أبناء آيير أزواغ مناصب مرموقة في الدولة في الجانب السياسي والعسكري معاً، مما خفف من الوضع وإن لم يقض على الثورة بالكامل، فبعض المراقبين يشير إلى أن النيجر إذا لم تتخذ حلولاً نهائية سلمية مرضية لسكان آيير أزواغ تتعلق بتحسين أوضاعهم وأوضاع مناطقهم من ناحية التنمية والتعليم والصحة والعدالة في توزيع الثروات المعدنية وغيرها، فالثورة قادمة لا محالة، لأن هؤلاء المراقبين يعتبرون تقليد شخصيات شمالية مناصب معينة يعتبرونه حلولاً مؤقتة ذات فوائدة فردية لا ترقى إلى مستوى العلاج الكافي لمشكل شعبي بهذه الدرجة.

انعكاس الصراع الأزوادي المالي على الوضع الإقليمي 

تزامن ما يعيشه العالم اليوم من تقارب الأمكنة والأزمنة بسبب الانفجار المعلوماتي الذي أفرزه تعدد وتطور وسائل النشر والكتابة، تزامن مع ما يشبه اتحاداً عالمياً في بعض القضايا وشؤون الحياة أو ما يسمى بالعولمة، ونتج عن ذلك كله سريان الأفكار من بلد إلى آخر وانتقال ثقافة شعب ما إلى غيره من الشعوب، ولا بدع إذاً من تأثر البلدان المجاورة لأي بلد اندلعت فيه النزاعات وتأججت فيه الحروب بتلك النزاعات والحروب، حتماً سيتأذى ويتأثر البلد المجاور، أو الذي تربطه علاقة قوية بالبلد المضطرب، سواء كانت جغرافية أو ثقافية أو سياسية أو اقتصادية، وخاصة إذا كانت اجتماعية، وعليه؛ فبلدان الساحل وغيرها من بلدان إقليم غرب إفريقيا وبلدان الشمال الإفريقي مرشحة جداً لأن يؤثر فيها ما يجري في أزواد بشكل أو بآخر، لما بين شعوب المنطقة من الترابط الاجتماعي والثقافي، وما بين أنظمة تلك البلدان من تشابك المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، فمثلاً العرب والطوارق يعيشون بأعداد كبيرة نسبياً في كل من أزواد وآيير أزواغ وليبيا والجزائر، والصونغاي والزرما يقطنون في منطقة أزواد والنيجر، والفولان يسكنون في أزواد والنيجر ومالي ونيجيريا وبوركينا فاسو والسنيغال وغينيا وغيرها من بلدان غرب إفريقيا، والهوسا في نيجيريا والنيجر، وتمثل كل إثنية من هؤلاء مجموعة واحدة ذات أعراف وتقاليد ولغة وتراث موحد، فإن الحدود التي تركها المستعمر كحاجز جغرافي وسياسي بين تلك المكونات، لم تستطع أن تفصل بين أبنائها من الناحية الاجتماعية، فرابطة الدم والتاريخ والدين التي تربط بين كل أبناء كل مجتمع، أقوى وأكثر إثارة للعاطفة من الرابطة السياسية، ومع هذا، فتأثر البلدان بالصراع الأزوادي المالي يتفاوت، ففي الوقت الذي تخشى دول الإقليم من انعكاسات الحرب فيها على المستويين الاقتصادي والأمني أو تعاني من متاعب جراء تدفق اللاجئين ورعايتهم، يخاف بعضها الملاصق لبؤرة التوتر ملاصقة جغرافية واجتماعية معاً، من سريان فكرة المطالبة بالانفصال أو الحكم الذاتي أو ما يعبر عنه البعض بتقرير المصير إليها، لوجود نفس المكونات على أراضيها كالجزائر مثلاً والنيجر وليبيا، وخصوصاً دولة النيجر التي شهدت حراكاً مماثلاً ونزاعاً في شمالها (آيير أزواغ) يطالب بالحكم الذاتي أو بحقوق المواطنة والعدل والمساواة في توزيع الثروات والاستحقاقات الأخرى، حيث يصر ثوار الطوارق والتبو على الحصول على حقوقهم في الثروات التي تستخرج في مناطقهم، غير أن حكومات النيجر تتعامل مع النزاعات – حسب ما يظهر – بشكل أفضل من مالــي، ويتمتع أبناء الشمال (آيير أزواغ) فيها أيضاً باعتبار أكثر، مما يخفف من حدة الصراع أحياناً، في حين يرى المراقبون أن الوضع في النيجر يحتاج إلى وقفة جادة لإيجاد حل سلمي تفاوضي مناسب نهائي يرضي الجميع.
وفوق تلك النزاعات وهذه الصراعات المحلية المدمرة، فإن وضع الصحراء الكبرى بشكل عام معقد ومثير للجدل والنزاعات والحروب والكوارث، إذا لم يتفطن المجتمع الدولي للمشكلة فيعالجها بصورة سريعة ومناسبة باعتبارها مسرحاً ومعبراً للتهريب والتجارة بالأسلحة وغيرها من أشكال الجريمة المنظمة والأفكار المتطرفة وعملياتها المزعجة، ولا سيما إذا كان بعض هذه الأعمال تقف وراءها جهات خارجية، أو تديرها أيدٍ خفية أو سواعد قوية، ليس من السهل على أبناء المنطقة التصدي لها لمحدودية قواهم العسكرية وقدراتهم الاقتصادية أمام خطط وتحركات تلك التنظيمات وأنشطتها العابرة للقارات.

بواعث الصراع وهشاشة الحلول السابقة

إن الصراع القائم بين شعوب (أزواد وآيير أزواغ) شمالي كل من النيجر ومالي والحكومات المركزية للدولتين منذ زمن طويل، تعدّدت أسبابه (الظلم، الاستبداد، التهميش) وتشعبت الآراء حول إنهائه وإيجاد الحلول المناسبة له، والشيء الذي لا شك فيه أن الحدود التي رسمها الاستعمار لعبت دوراً كبيراً في ظهور هذا الصراع، والذي تضرر منه كثير من شعوب المنطقة وإن منيت قبائل الطوارق والعرب بنصيب الأسد من هذه المعاناة، وبالتحديد في التسعينات، فالاستعمار قسم الطوارق بين خمس دول (النيجر ومالي والجزائر وليبيا وبوركينا فاسو) بشكل يوحي بسوء النية من هذه التجزئة مما حد من الحركة التجارية التي يمارسونها بين مناطق تواجدهم، وشوش عليهم فكرياً وشل حركتهم نحو التمدن ومواكبة العالم وخفض من معنوياتهم، فأصيب كثير منهم بالإحباط وانزوى في البادية ليهتم بالرعي وسياسة الحيوانات، فأصبحوا لدى البعض من الدول مجرد معلم من معالم السياحة منعزل، توجه إليه السياح لمشاهدته وتصويره في حياته الفقيرة الغريبة ومناخه الساخن اللافح، وأريد لهم الدوام على تلك الحالة، لولا فضل الله تعالى ثم فضل الثوار الذين رفضوا هذا الوضع فأخذوا في توعية الأجيال لمواصلة النضال من أجل الحصول على سبل عيش كريم في أوطانهم، كأناس مواطنين كغيرهم من أبناء الأوطان، لا مجرد حيوانات في صور بني آدم، يقتصر دورهم على الرعاية لإمداد الأسواق باللحوم والألبان وترفيه السياح الأجانب بتصويرهم، حيث أصروا على انتزاع حقوقهم وقدموا في سبيل ذلك تضحيات وشهداء، مما لفت أنظار العالم إليهم، فتم تدويل القضية وإزالة الستار عن المظالم التاريخية التي تعرضوا لها، فأصبحت قضيتهم محل تجاذب الآراء من قبل بعض الدول وبعض أصحاب النفوذ لدى الجهات الدولية، كل يفكر لصالحه ويعمل قدر وسعه وحسب قدراته المعنوية والتأثيرية لتحقيق مصلحته بفرض رأيه على حساب آراء الأخرى، فكل من الدول التي تتداول ملف القضية الأزوادية (فرنسا، الجزائر، بوركينا فاسو) والتي تدلي برأيها في هذا المجال لها مصالح قد تتحد وتختلف، والظاهر أن أطراف المبادرات السابقة طيلة النزاع الأزوادي المالي والنيجري، ينتهج كل منهم طريقته الخاصة في علاج الأوضاع وإنهاء الصراع، وتتأرجح أساليب إخماد هذه الثورات بين المؤامرات وبين الاتفاقيات الوهمية، إذ يشهد التاريخ النضالي الأزوادي على أن الاتفاقيات التي أبرمت بصدد إنهاء الصراع مع مالي لم تعد أن تكون حبراً على ورق، ولم يكتب لها نجاح يذكر بسبب – حسب ما يظهر – عدم رغبة الطرف المالي في إيجاد الحل المناسب، لأنه يعتمد أساساً في تهدئه الأوضاع علـــى: 

*- إذكاء نار الحرب بين الأزواديين أنفسهم ليضرب  عدوه بنفسه فينشغلون عنه، ومالي ماهرة جداً في بث الفرقة بين القبائل الأزوادية، واستدراجهم إلى الحروب الأهلية بإغراءات زهيدة، ووعود بميزات معينة، وتقديم هدايا محددة، وغير ذلك من أساليب المراوغة وكسب الوقت.

*- تحريك هاجس الخوف لدى الدول المجاورة التي تقطنها مجموعات طارقية أو عربية (الجزائر، النيجر، وبوركينا فاسو) وإقناعها بأنها مهددة أيضاً بمطالبة بعض سكانها بالانفصال أو الحكم الذاتي في حالة حصول إقليم أزواد على أي منهما، وبالتالي تستمد منها العون المادي والمعنوي.
*- اللجوء إلى المنظمات الإقليمية والدولية لتسفيه وتتفيه وتفنيد الأزواديين ومظالمهم المشهودة والمشهورة، ومطالبهم المشروعة، لاستدرار عطف منطقة دول غرب إفريقيا والاتحاد الإفريقي مثلاً، لسحب البساط تحت الأزواديين من الناحية القانونية، ولتصل تقاريرها ضد النضال الأزوادي من خلال هذه المنظمات الدولية إلى أروقة الأمم المتحدة لتكتسي قوة تكفي لنسف المشروع الأزوادي برمته.
*- صناعة ثورات أزوادية بالاسم، مالية الدعم والتوجيه والتنظيم، لتزاحم الثوار الأزواديين في اتخاذ القرارات وتشوش عليهم على طاولة المفاوضات لصالح مالي، لتوهم الرأي العالمي أن الثورة الأزوادية عبارة عن فكرة مجموعة قليلة لا تحظى بدعم شعبي في الداخل.
*- الدعوة إلى الحوار كلما قربت أو وصلت مالي إلى الانهزام العسكري، لتجديد سيناريو الاتفاقية التي تتضمن أحياناً وعوداً بالتنمية والوضع الخاص لإقليم أزواد وإنشاء لجان تحقيق بشأن الجرائم إلى غيرها من الإغراءات التي لم يكتب لها النجاح بسبب عدم الجدية من البداية. 
وبغض النظر عن جدوائية المفاوضات الأزوادية المالية في هذه الفترة وعدمها، وبعيداً عن الاتهام بسوء النية أو انعدام الرغبة في الحل المناسب، فإن الظروف العالمية تغيرت سياسياً واقتصادياً، وحتى فكرياً وأيديولوجياً، ووسائل الحرب والدعاية أيضاً تطورت، وأساليب الإغراء واستدرار العواطف الوطنية والإقليمية تنوعت، وطرق إيصال المعلومات والتقارير إلى أروقة المؤسسات الدولية تعددت، وكثير من أبناء الشعوب الرعاة الرحل (!!!) تعلمت وتمدنت، فليس في مصلحة أي نظام إذاً أن يحافظ على أسباب التوترات ويبقى عليها ويحتضنها كجسم محبوب مرغوب فيه، فنتيجة الحروب التدميرية والتخريبية تتناسب طردياً مع طولها في البلد، فإلى متى تحتضن مالي الحرب والدمار وإراقة الدماء؟!.
لا ريب في أن الثروة التي سينتجها شعوب المنطقة في ظل الأمن والاستقرار بعد ما تحصلوا عليه الآن من علم وثقافة، وما تمتعوا به من الرغبة في البناء والحماس إلى العمل، أكثر بكثير وأشرف وأبقى مما تأخذه مالي باسم التبرعات والصدقات تحت ظل الحرب، ولا شك أيضاً أن تقرير الأزواديين لمصيرهم سواء بالحكم الذاتي أو غيره، لا يهدد أمن أي بلد إذا ساد الأمن والاستقرار في الإقليم كله بإشاعة وتبادل مظاهر الاحترام وحسن الجوار وروح العدالة والتكامل، استجابة للمبادئ الدينية والأعراف الدولية والوشائج التي تربط بين أبناء هذه البلاد، أما إذا سادت أنواع الظلم والإقصاء والفوضى وانعدام الأمن والاستقرار، فاللائمة ليست على عاتق الأزواديين فقط بل يشاركهم فيها كل من ساهم بشكل أو بآخر من أسباب عدم الاستقرار في المنطقة.
ولا يوجد فرق كبير بين مالي والنيجر في التعاطي مع الاتفاقيات المبرمة، فوعود التنمية وتوزيع الثروة بشكل عادل وبعض بنود اتفاقية 24 أفريل1995م لم تحصل بعدُ، مما جعل جذوة الصراع تحت الرماد، بالرغم من إصلاحات قامت بها النيجر من ناحية التوظيف وتقديم بعض الامتيازات لأبناء الشمال (آيير أزواغ).
ويلاحظ استخدام عبارة (أبناء الشمال) في هذه الكلمة بدلاً من المصطلح المعهود لدى الكثيرين (الطوارق، ثورة الطوارق) هذا المصطلح الذي يعد من أساليب إفشال النضال الأزوادي والآييري الأزواغي أيضاً، حيث يسعى الإعلاميون الذين أضفوا على مطالبة الشماليين بحقوقهم في المنطقتين صفة العنصرية والقبلية، فأزواد يحتوي على مكونات (العرب والصونغاي والفولان والطوارق)، وآيير أزواغ يضم في الأصل (العرب والطوارق والفولان بالإضافة إلى التبو ) هذا الاصطلاح (ثورة الطوارق) الذي يجعل الطوارق في مقابلة إخوانهم في الوطن سواء في النيجر أو في أزواد غير مرغوب فيه، ولا يرضاه أحد في منطقة الصحراء الكبرى، فمتى يعيش الطوارق في تينبكتو وغاوا بدون العرب والصونغاي، ومتى يعيشون في أغديز وطاوا بدون العرب والتبو والهاوسا والفولان، ما هذا التقسيم وهذه التجزئة؟!!! اللهم إلاّ إذا كان الأمر يتعلق بالتغليب أو بالأسبقية، فلا شك أن غالبية المناطق الصحراوية يقطنها في الأصل الطوارق، وأن قيام الثورة في آيير أزواغ وأزواد جاء بقيادة وفكرة الطوارق، وهذا لا يبرر الجمود على المصطلح الهدام العنصري القبلي الذي يراد به القضاء على حراك الأزواديين والآييريين الأزواغيين في المنطقتين للحصول على حقوقهم المشروعة، فالصحراء واسعة تسع جميع قاطنيها بل هي أوسع من نشاطاتهم وقدراتهم، فليلتزم الجميع بسعة البال والصدر والتفاؤل، وعلى الجميع التعاون والقضاء على النزاع سلمياً لأجل إنهاء التدابر والتقاتل، وليحاول الجميع أن يتعايش بشكل مناسب يخدم مصلحة الجميع، كما تعايش الأجداد، ولتتماش أفكار الجميع مع العصر، فكون جد فلان راعياً منعزلاً في الصحراء غير راغب في السياسة ولا في الوظائف، لا يبرر هضم حق ابنه إذا توفرت لديه الإمكانيات الفكرية والمادية والمعنوية ليساهم في بناء الوطن وصنع القرار وفي الإدارة، فالأهمية تتغير أحياناً بتغير الزمن والحال، ولإشارة تكفي اللبيب!! 

المبادرات التي يمكن أن تساهم في حل النزاع أو الحد منه

أما المبادرات التي يمكن أن تساهم في حل النزاع أو أن تضع حداً للصراع، لابد أن تتسم بالصدق والجدية والإخلاص، فأي من هذه الأسافي تخلف فلن تتم عملية الإصلاح وإنهاء التوترات، فالمنطقة تجذرت فيها المشاكل بشكل خطير، إذ كثير من الشباب الذين التحقوا إلى ركب الثورة الآن، موتور بأبيه أو جده أو خاله أو عمه وكذلك الجانب الآخر، مما جعل بعض الناس الذين لا ينتبهون لخطورة الموقف لا يفكر إلاّ في الثأر والحرب، فقلع جذور المشكلة في أعماق الأفهام والنفوس، وإطفاء نيران الحرب في المناطق الواسعة المترامية، أمر لا يتم إلاّ بجهد دولي كبير تنفق فيه الأموال والأفكار والخطط.
ويرى كثير من الخبراء أن الصراع في دول الساحل مرشح للزيادة إذا لم تنجح الجهود الجارية في هذه الفترة لإنهائه، بسبب فقدان الثقة من بعض أطراف المبادرات، لتكرار عملية فشلها سابقاً، وباختصار فدول فرنسا والجزائر والنيجر ومالي تعتبر هي المدخل الوحيد القوي إلى الحل النهائي فأية منها وقفت ضد الحل السلمي النهائي، فمن الصعب أن يحصل، باعتبار منطقتي أزواد وآيير أزواغ مسرح النزاع ومحل المشكلة وباعتبار الجزائر دولة ذات حدود واسعة مع المنطقتين تقطنها نفس بعض المكونات الثائرة مما جعل الجزائر مرشحة لسريان الصراع إليها بشكل أو بآخر، وبالتالي اعتنت بالوضع وراقبته، وتدخلت فيه من الناحية الدبلوماسية وغيرها بشكل يجعلها من أساسيات اللعبة، وكذلك بوركينافاسو وليبيا دولتان مجاورتان ولكن تأثيرهما أقل من تأثير الجزائر، وفرنسا باعتبارها مستعمرة للمنطقة برمتها، حيث إنه لا يمكن أن يحصل تقارب أو تصالح بدون معرفتها بل بدون موافقتها، فقد تغلغلت فكرياً ومادياً في المنطقة، بالإضافة إلى وزنها الدولي.
وبناءً على ما سبق، فالمبادرة التي تستطيع إنها الصراع هي التي تتفق عليها الدول الأربعة وتخدمها وتتجاوب معها بصدق سواء اقترحت من قبل المنظمات الدولية أو من الدول الأخرى، مما يعني أن تلك الدول الأربع هي المحور الأساسي لهذا الصراع،فينبغي لها من منطلق الإنسانية وحب الخير والأخلاق الدولية ولكسب ثقة الأزواديين والآييريين الأزواغيين، أن تبذل الجهد المناسب وتستخدم طاقاتها المادية والمعنوية في إنها هذه المعاناة وإطفاء نار الحرب، ليتفرغ المواطنون لخدمة مناطقهم ولينعموا بالأمن في ديارهم ومزارعهم وأريافهم، وأقصر طريق إلى ذلك تحسين أوضاع أزواد وآيير أزواغ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حسب ما سيتم الاتفاق عليه بين حكومات الدولتين وبين أبناء المنطقتين (أزواد وآيير أزواغ)، وبرعاية وتنسيق وتنظيم جهات دولية سواء كانت هي صاحبة المبادرة أم لا، وأهم هذه الجهات الأمم المتحدة وبعض الدول العظمى ودول الساحل.


الخــــاتمــــــة:-

عاشت منطقة أزواد خمسين عاماً من النزاع مع دولة مالي التي ضمت إليها فرنسا سكان أزواد بدون موافقة الجميع على ذلك، مما أشعل الثورة، وكلما عجزت مالي عن القضاء على الثورة تظاهرت بالرغبة في الاتفاق فتوقع على اتفاقية بشأن الوضع الخاص لأزواد والتنمية ثم تراوغ وتتنصل من الاتفاقية، وظهرت إرهاصات ثورة مماثلة في آيير أزواغ شمال النيجر في عام 1985م، واشتدت أعمالها سنة 1990م، إلى أن تم الاتفاق مع الثوار في 24 أفريل1995م، على نقاط من بينها أن يتمتع إقليم آيير أزواغ بوضع خاص سياسياً واقتصادياً وثقافياً، ولكنهم لم يجدوا من مطالبهم ما يكفيهم للقضاء على النزاع بشكل نهائي، وإن ساد الهدوء والأمن حالياً، مما حتم على الدولتين البحث عن الحلول المناسبة التي تنهي الصراع لينعم الجميع بالأمن وتستقر البلاد التي يخاف البعض من دول الإقليم أن تطالها نيران حروبها، ومن طرق القضاء على مثل هذه التوترات وجود مبادرة من قبل بعض الدول أو المنظمات الدولية تقضي بجلوس أطراف المشكلة على طاولة المفاوضات والاتفاق على وضع يرضي الجميع ويضع حداً لهذا النزاع، ويستبعد أن تجدي مبادرة خالية من الصدق والجدية والإخلاص، كما يستبعد أن يحصل تقدم بهذا الخصوص بغير موافقة فرنسا والجزائر ومالي والنيجر وبوركينافاسو .           
هذا، وقد أصبح معروفاً بشكل مستفيض لدى كثير من المتابعين للإعلام العالمي والإقليمي أن الشماليين في كل من مالي والنيجر (أزواد – آيير أزواغ) يعانون من مظالم تاريخية من قبل الأنظمة المتعاقبة التي مكنتهم فرنسا من رقابهم عند رحيلها في المنطقة، مما أدى إلى قيام ثورات يقودها الطوارق والعرب في كلا البلدين بصفتهم أكثر تضرراً من تلك الأنظمة، بالإضافة إلى ما لحقهم من الضرر بسبب التقسيم الحدودي الذي خلفه الاستعمار وقسمهم بين خمس دول، ومنذ 1963م إلى الآن لم تهدأ الانتفاضة في أزواد إلاّ هدوءً مؤقتاً ينشأ عن ابرام اتفاقيات لا تطبقها مالي، وكذلك النيجر التي ظهرت فيها ثورة 1985م وشهدت هدوءاً بعد اتفاقية يشتكي الشماليون (سكان آيير أزواغ) من عدم تنفيذها بشكل كامل مع ملاحظة أن تعامل النيجر مع الشماليين ومطالبهم أحسن من تعامل مالي، فالنيجر تحاول تخفيف الوضع بتقديم تنازلات ومناصب سياسية وعسكرية مرموقة وإن لم يكن ذلك حلا كاملاً ونهائياً للمطالب الشماليين من الطوارق والعرب والتبو الذين يسعون إلى حقوق المواطنة وتوزيع عادل للثروة والمواد المعدنية التي تستخرج من مناطقهم، أما مالي فأكثر قمعاً ومراوغة عبر أساليب منها إذكاء الحروب بين قبائل أزواد لينشغلوا عنها ومنها الاعتماد على الدول المجاورة لإخماد الثورة الأزوادية بشكل مؤقت في كل مرة، فهي لا تبحث عن الحلول المناسبة فيما يبدو.
وإذا لم يحالف الحظ أبناء المنطقة فإن المفاوضات التي تجرى الآن ستعطي نتائج لا تلبي مطالب الثورة الأزوادية، كما هي حال المفاوضات السابقة عبر التاريخ النضالي للشعب الأزوادي.
بعض الإعلاميين يقولون دائماً ثورة الطوارق وليس سكان أزواد وشمال النيجر طوراقاً فقط فهناك عرب وسونغاي وفلان وزارما والتبو وغيرها من المكونات وكثير من هؤلائي ممن يشتكي من الظلم مثل الطوارق والعرب، إذاً إضافة الثورة إلى الطوارق فحسب من باب التغليب فقط، أو لسوء النية ليوهم الرأي العام العالمي أن الطوارق هم وحدهم الذين يكافحون ويثورون.
وبالنسبة للمبادرات، فقلما تم حل مثل هذه النزاعات إلاّ بالمبادرات من قبل الدول أو المنظمات، ولكن ليس كل ذي مبادرة مخلصاً ولا جاداً ولا قوياً بالقدر الكافي، فلا بد للمبادرة التي ستنهي هذه التوترات من شروط إذا توفرت نجحت وإذا تخلفت فشلت، كما أن الصراع هذا إذ لم يضع له المجتمع الدولي والإقليمي حلاً سلمياً نهائياً فسوف ينعكس على الدول المجاورة بصورة خطيرة وخاصة من الناحية الأمنية والاقتصادية، وعلى المجتمع الدولي بشكل أو بآخر.
وعليه، فينبغي أن تتكاتف الدول المجاورة والمنظمات الدولية جاهدة في إيجاد حل سلمي عاجل مناسب ونهائي لهذا النزاع الطويل الذي ذهب بكثير من الأنفس والأموال وخلف روح عداء بين الشعوب، لعل الله أن يوفقهم فتستقر المنطقة وتنعم بالأمن والأمان.  

نص المصدر كاملا

السبت، 8 نوفمبر 2014

الصراع الطبقي في موريتانيا بين مساري الصدام والتراكم

الرأي الازوادي - مركز الجزيرة




التنوع العرقي والتعدد الشرائحي.. من ميزات المجتمع الموريتاني (الجزيرة)
ملخص
تبحث الورقة في جذور الصراع الطبقي في موريتانيا وأسبابه؛ حيث يعاني مئات الآلاف من أبناء الطبقات المهمشة من فقر وحرمان بات يغذي التمرد على مخلفات الماضي التي تخضع في هذه اللحظة لمساءلة ومحاكمة غير مسبوقة؛ فقد حفل ماضي المجتمع الموريتاني بالقسوة والجفاف، وورثت الدولة الحديثة تركيبة اجتماعية هشة وغير متجانسة ولم تُولِ الأنظمة المتعاقبة العدالةَ الاجتماعيةَ ما تستحق من عناية.
وينبه الباحث إلى الأخطار التي تواجه البلاد مع التحولات الحالية التي يقودها الأرقّاء والسابقون ومن يلحق بهم من فئات عرفت التهميش والظلم؛ إذ يبدو الآن أن مرحلة التحشيد التي انطلقت منذ عقود وعرف منحناها تذبذبًا في الصعود والهبوط بلغ في السنوات الأخيرة مراحل متقدمة من التهيئة للفعل التاريخي المؤثر الذي وصل في مراحل متأخرة إلى الانسياق بسهولة ويسر في أحد مسارين: المسار التصادمي بما يمكن أن يقود إليه من تمزيق وتشتيت وفتن أو المسار التراكمي بما يؤدي إليه في صيغته الإيجابية من تطوير التراكم وتعزيز عناصر القوة والالتحام الاجتماعي عبر بناء آليات استيعاب تُمَكِّنُ المجتمع والدولة من النجاح في بناء نموذج إيجابي يحقق العدالة الاجتماعية ويُؤَسِّسُ لأن تكون هذه التحولات عامل تطوير ونهضة وتقدم تجدد من خلالهما الدولة دورة الإنتاجية بوصفها تنظيمًا حيويًا يتطور ويسير مع الحياة بتناغم وانسجام.
وتخلص الورقة إلى أن قنبلة المسار التصادمي قد تستخدم لضرب مشاريع التحولات السياسية التي لا يرضى عنها الفاعلون المتأثرون بالتيار الفرانكفوني في موريتانيا إذا مالت كفة التحول لصالح التيارات الأكثر ميلاً لصناعة التحول عبر المسار التراكمي مع إدخال تعديلات تميز إيجابي لصالح الطبقات المهمشة وهو ما لا يُرضي التيارات الساعية للدفع بالصراع نحو آفاق انفجارية تحطم كل الأسس الاجتماعية التي تسعى للتحول اجتماعي آمن يحقق استجابة لمطالب الفئات المهمشة من جهة ويحفظ السلم الأهلي من جهة أخرى.
مقدمة
تعرف موريتانيا اليوم تحولات عميقة في بنياتها الاجتماعية والثقافية بشكل غير مسبوق، ونتيجة القهر الذي عرفته فئات وطبقات اجتماعية عديدة فإن السلم الأهلي بات خاضعًا لعملية تحول مع صيرورة الحياة الانتقالية للمجتمعات البدوية التي انتقلت من نمط الإنتاج الرعوي والزراعي البدائي إلى حياة المدن المعاصرة دون أن تخضع عملية الانتقال تلك لأي نوع من أنواع التأسيس الذي يأخذ بعين الاعتبار احتياجات السكان، وخصوصًا الفئات الأكثر فقرًا والتي وجدت نفسها على هامش مجتمع السلطة ومجتمع التجارة وسوق الخدمات، ولم تخضع هذه الفئات المسحوقة لأي تأهيل لمواكبة هذا الانتقال بما يحقق لها ضروريات العيش الكريم.
وإذا كانت السلطة ونخبها التي تعاقبت على الحكم خلال العقود الأخيرة قد فشلت في صناعة تحول اجتماعي فمن الواضح أن الطبقات المهمشة في موريتانيا قد صنعت لنفسها نخبها المناضلة من الشباب المتمدرس والخريجين الذين وجدوا البطالة بانتظارهم فانخرطوا يؤسسون المنظمات والجمعيات وابتعثوا من ركام الحاضر حراكًا قويًا شرع بصورة فعلية في التأسيس للتغيير عبر فعل نضالي قوي بات يفرض نفسه في الساحة الموريتانية.
أما النخب الوطنية الأهلية فقد وقفت عاجزة لحد الساعة عن بلورة حلول كلية أو جزئية لإعادة صياغة الحياة الاجتماعية وفق أسس سليمة تلبي ولو بقدر يسير متطلبات التحولات الجارية بما يحقق الإصلاح والبناء التراكمي الهادف فدور النخب في قيادة التحولات يبقى مؤثرًا مهما سجّل من نقد وتحفظ على دور التيارات الفكرية في الواقع الراهن حسب ما يعبّر العديد من المتابعين.
التحشيد ومساراته
يعاني مئات الآلاف من أبناء الطبقات المهمشة في موريتانيا من فقر وحرمان بات يغذي التمرد على مخلفات الماضي التي تخضع في هذه اللحظة لمساءلة ومحاكمة غير مسبوقة؛ فقد حفل ماضي المجتمع الموريتاني بالقسوة والجفاف، وورثت الدولة الحديثة تركيبة اجتماعية هشة وغير متجانسة ولم تُولِ الأنظمة المتعاقبة العدالةَ الاجتماعيةَ ما تستحق من عناية. وما كادت عقود الاستقلال الأولى تتوارى حتى انحرف الحكم العسكري بالبلاد نحو الإثراء الفاحش الناتج عن الفساد وتوقفت التنمية بشكل شبه كامل وبدأت جاهزية فئات بعينها تستثمر هذا الانهيار مما قوّض أركان فرص بناء مجتمع متجانس يتساوى في الحقوق والواجبات، وقد أيقظت هذه الاختلالات سلبيات الماضي ومخلفاته التي بدأت تنبعث محدثة شروخًا قوية في البنية الاجتماعية.
ومع التحولات الحالية التي يقودها الأرقّاء والسابقون ومن يلحق بهم من فئات عرفت التهميش والظلم يبدو الآن أن مرحلة التحشيد التي انطلقت منذ عقود وعرف منحناها تذبذبًا في الصعود والهبوط بلغ في السنوات الأخيرة مراحل متقدمة من التهيئة للفعل التاريخي المؤثر الذي وصل في مراحل متأخرة إلى الانسياق بسهولة ويسر في أحد مسارين: المسار التصادمي بما يمكن أن يقود إليه من تمزيق وتشتيت وفتن أو المسار التراكمي بما يؤدي إليه في صيغته الإيجابية من تطوير التراكم وتعزيز عناصر القوة والالتحام الاجتماعي عبر بناء آليات استيعاب تُمَكِّنُ المجتمع والدولة من النجاح في بناء نموذج إيجابي يحقق العدالة الاجتماعية ويُؤَسِّسُ لأن تكون هذه التحولات عامل تطوير ونهضة وتقدم تجدد من خلالهما الدولة دورة الإنتاجية بوصفها تنظيمًا حيويًا يتطور ويسير مع الحياة بتناغم وانسجام.
غير أن الأمل في مستقبل اندماجي للمحرومين لا يجد بوادر مشجعة حتى الآن في مسار الأداء العام لأجهزة الدولة ونخب المجتمع بينما يتطور المسار التصادمي ويتحفز نحو صناعة التحول التاريخي؛ فالحشد الحركي والحقوقي الجاري الآن على صعيد الفئات المحرومة يتحول بسرعة إلى مشروع جديد يحمل في طياته فناء البنى التي كانت سائدة قبله طبقًا لسنة التدافع والتداول الأزلية.
والمجتمع الموريتاني يختزن في تجاربه التاريخية والحديثة على السواء عللاً وأمراضًا مزمنة ينوء بحملها كاهل الدولة الحديثة وتنظيماتها وأجهزتها وما تفرع عن ذلك من تنظيمات ونخب توجهات فكرية. ورغم التحولات التي مرت بها الحياة الاجتماعية في القرن الماضي إلا أن السنوات الأخيرة عرفت تسارعًا كبيرًا لبروز النزعات الفئوية والعرقية بشكل بات ينذر بتحولات قادمة تتطلب إعادة النظر في منهجية التعامل معها فهمًا وتنزيلاً وتشخيصًا وتحليلاً.
تشخيص التحول
إن التحولات الاجتماعية تعتمل في عمق المجتمع وتسري عللها وتتسرب في الجسم الاجتماعي في هدوء وتراكم حتى تصل للحظة الفوران فالانفجار ولا ينتبه كثيرون لطبيعة التحولات الاجتماعية وينظرون باستمرار إلى الأحداث بشكل منفصل دون الانتباه لاتصالها وترابطها بما يؤدي لإنتاج وصناعة تحولات اجتماعية عديدة قد لا يكون بعضها بريئًا تمامًا من توجيه القوى المؤثرة عالميًا بيدها الخفية محليًا وإقليميًا.
يمكن أن نتخيل حركة الاجتماع تسري باستمرار طبقًا للوصف القرآني لحركة الجبال "وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مَرّ السحاب"، وفي السنوات الأخيرة اتضح أن العديد من المتغيرات التي يحسبها كثير من الناس جزئية التأثير قد تركت بصمات قوية على الحياة بأبعادها المختلفة خصوصًا فيما يتعلق بالتغييرات الجوهرية التي تأتي مباغتة بصورة مذهلة ومفاجئة مما يجعـل رصد النخب الموريتانية للزلازل الاجتماعية ضعيفًا جدًا. وكثيرًا ما وضعت الأحداث والتحولات الراهنة العديد من الفاعلين تحت هول الصدمة وفعلت بهم فعلها دون أن يكون لهم فعل يستشرف ويرصد ويتكيف بسرعة مع الصدمة ويتجاوزها محاولاً استثمار الحدث ذاته والتحكم في نتائجه وتوجيه مساره لما يخدم البلاد والعباد ويتجافى المخاطر المحتملة خصوصًا فيما يتعلق بالحفاظ على السلم الأهلي.
حراك الأرقاء
بدأت منذ الأربعينات ظاهرة نزوع الأرقاء لتحرير أنفسهم في موريتانيا نتيجة عوامل سوسيولوجية واقتصادية صرفة لا أثر للخطاب السياسي فيها. وربما يكون الأرقاء في موريتانيا قد تأثروا بظاهرة "جامبور" السنغالية عندما توقفت غارات البدو الرحل المنحدرين من أصول حسانية بعدما أحكمت الإدارة الفرنسية سيطرتها على البلاد بشكل نهائي مطلع أربعينات القرن العشرين وعندها بدأت ظاهرة "قرى آدوابه"، وهي تجمعات سكانية عشوائية لتجمعات الأرقاء السابقين الذين حصلوا على حريتهم من مستعبديهم "العرب" أو "البيضان" الذين كانوا يشكّلون أهم فئة اجتماعية تمارس السلطة في بعديها الزمني والروحي في المجتمع الموريتاني. وقد ساهم وجود الإدارة الاستعمارية الغربية في الثلاثينات والأربعينات في تشجيع هروب العبيد مع أن تاريخ هذه الظاهرة لا يزال بحاجة لدراسة تأخذ بعين الاعتبار السياق والنسق الاجتماعي الذي وُلدت فيه الظاهرة وتستنطق الوثائق الفرنسية والفقهية التي أنتجها فقهاء تلك الحقبة لإعادة كتابة تاريخ فئات مهمة وتحولات كبيرة في تاريخ المجتمع الموريتاني لا تزال منسية أو مهملة(1).
ومع نهاية السبعينات بدأ حراك الأرقاء السابقين يأخذ شكل حركة سياسية مطلبية قوية تأثرت إلى حد كبير بالفكر اليساري وتطورت لاحقًا لتأخذ بُعدًا أيديولوجيًا يساريًا قوميًا مال حينًا مع حركة اليسار القومي الزنجي وتأثر بها وتفرع لاحقًا ليتأثر باليسار القومي العربي بشقيه الناصري والبعثي وإن استقلت الحركة لاحقًا مطالبة بحزب سياسي خاص بها فتحالفت خلال منتصف التسعينات مع قيادات زنجية حيث قاد الزعيم التاريخي للحركة مسعود ولد بلخير حزب العمل من أجل التغيير (AC) الذي شكّل مشروعًا مشتركًا مع الزعيم الزنجي إبراهيما مختار صار ورفاقه غير أن الحزب تم حله لاحقًا، وفي العام 2000 دخل مسعود مجددًا حزب التيار الناصري التحالف الشعبي التقدمي الذي يقوده الآن والذي يُعتبر أكبر واجهة سياسية لحركة الحر التنظيم السري التاريخي الذي ناضل سياسيو الأرقاء السابقين (أو الحراطين) من خلاله للحصول على حقوقهم السياسية والاقتصادية(2).
مع مطلع الثمانينات ألغت الدولة الموريتانية بموجب مرسوم رئاسي ممارسة الاستعباد إثر إعادة الأرقاء السابقين تفعيل نشاط حركة الحر السرية، وفي سياق موجة جفاف قوية ومجاعة وتحول عاصف من نمط العيش في القرى والأرياف أدت إلى انتفاض الحراطين و"آدوابه" (أي: القرى والتجمعات السكنية للحراطين) إلى الزحف نحو المدن ومع بديات الحكم العسكري للبلاد.
طالبت حركات ومنظمات تحرير الأرقاء السابقين في موريتانيا بثلاثة مطالب رئيسية:
  1. تحرير الرقيق من خلال وضع حد لممارسات الاسترقاق السارية في المجتمع الموريتاني نتيجة اختلاطها بالتقاليد وتداخل أنماط الإنتاج الاقتصادي مع التقاليد الاجتماعية وتعاليم الدين الإسلامي.
  2. تمكين العبيد أو الأرقاء السابقين من حقوقهم الاقتصادية من خلال إصدار قانون للإصلاح العقاري يرفع القيود الإقطاعية التي يضعها الأسياد على الأرقاء من خلال ادعائهم لملكية الأرض أو من خلال ادعائهم استحقاق أخذ أموال الأرقاء وما ينتجونه تمسكًا بالمبدأ الفقهي "مال العبد لسيده".
  3. وضع حد لآثار الاسترقاق ومخلفاته المستمرة، وإنهاء التقاليد الاجتماعية التي تؤسس في مفاهيمها الميتولوجية للتمييز بين مواطني الدولة الواحدة نتيجة الإرث التاريخي وما يمليه من محمولات، ووضع عقوبات قانونية للعوامل الدعائية التي تغذي استمرار الظاهرة ومعاقبة الجرائم والجنح النتاتجة عن هذه الممارسة(3).
وقد تباطأت الدولة بشكل كبير في سنّ قوانين تجرّم الظاهرة، وظلت الحكومات المتعاقبة تنكر استمرار وجود الظاهرة وتعتبر أن ما هو موجود هو مخلفات الماضي فقط وتراهن على أنه سيختفي مع الزمن.
غير أن الحكومة الموريتانية بقيادة الرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله أصدرت قانونًا لتجريم الظاهرة في عام 2007 وتم وضع عقوبات واضحة في القانون في محاولة لتقويض الثقافة التقليدية المؤسسة للظاهرة والمغذية لاستمرارها غير أن كل هذه الجهود لم تأت إلا بعد  تبلور حراك الأرقاء السابقين في السنوات الأخيرة.
ويرى بعض متتبعي الظاهرة أن ثمة أيادي خفية تلعب بهذا الملف؛ وهو ما يتضح -حسب هذا الرأي- من كون حراك الأرقاء السابقين أخذ دينامية متسارعة خلال السنوات الأخيرة تجاوزت بكثير العديد من الملفات الحقوقية الأكثر إثارة رغم أن قضية الرق ظاهرة إفريقية ولم تستدع في مجتمعات إفريقية عديدة ما تستدعيه في موريتانيا التي استُهدفت نتيجة موقعها المؤثر في الخريطة الدينية لبلدان إفريقيا الغربية حيث تشكل المنبع الصافي لانتشار وتجدد الإسلام في هذه المنطقة مما جعلها تحظى بتركيز خاص دون البقية.
يرى العديد من المتتبعين أن واقع الأرقاء وواقع كثيرين غيرهم من أبناء موريتانيا يتطلب إعادة النظر في صميم المنظومة التربوية ومخرجاتها ومسار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وما تتطلبه العدالة الاجتماعية وموقعها من اهتمام النخب الوطنية الساعية لقيادة التحولات والتصدي للشؤون العامة فلم يعد من المعقول ولا من المقبول أن يُخضِع الشخصُ جسمَه لعملية بتر لأن الجسم لا يستغني عن جزء منه ولا يستسلم لجزار يقطعه إلا إذا فقد الحياة تمامًا.
ويخشى الكثيرون من نشطاء النخب الموريتانية أن يستمر الصمت عن خرق السفينة من طرف السلطة، وبالتالي الدولة والمجتمع وأطراف التطرف في الحراك حتى تفعل التصرفات الحمقاء فعلها الأرعن ولات حين مناص.
ولا يخفى أن الاستجابة التي تقدمها السلطة الحالية، من خلال القوانين المجرّمة للاسترقاق ومفوضية محاربة مخلفات الرّق والتي تحولت إلى أداة بيروقراطية لحشد الدعم السياسي في "آدوابه"، للمشاغل الآنية للنظام تؤكد حقيقة واحدة وهي أن التحول فرض نفسه وبات يقنع الجميع ولكن النخب والمجتمع انشغلوا بعلاج مظاهر وجزئيات ظرفية لا شأن لها بالتحكم في تدفق المسار ووجهته وما سيفرزه من نتائج قادمة(4).          
حراك لمعلمين
وعلى نفس المنوال انطلق منذ العام 2011 حراك "لَمْعَلْمِينْ" مترسمًا الخطى النضالية للأرقاء السابقين ومحاولاً إيقاظ الذاكرة لدى فئات وشرائح أخرى عديدة. حراك توجست منه الحركات الحقوقية خوفًا من أن يكون محركًا لأغراض سياسية ليتضح لاحقًا أن البعد الذاتي والموضوعي يطغى على هذا الفعل الحقوقي الجديد المنذر بتحولات واسعة ومؤثرة.
ومُصطلح "لَمْعَلْمِينْ" يُطلَق على شريحة واسعة في المجتمع الموريتاني لا ترجع لأصل عرقي واحد وإن وحّدهم أداء وظيفة الصناعة التقليدية في المجتمع الموريتاني منذ قرون. ويشتكي أبناء هذه الشريحة من تهميش مستحكم رغم ما تزخر به من عطاء تاريخي حيث نهض "لمعلم" تاريخيًا بوظيفته وشارك بشكل كبير في حمل وأداء الرسالة الثقافية للمجتمع الموريتاني عبر العصور.
غير أن الثقافة الاجتماعية في البلاد حملت معها في الذاكرة الشعبية العديد من العوائق التي حالت في الماضي والحاضر دون ذوبان هذه الشريحة بشكل كامل في المجتمع؛ وتبعًا لذلك باتت تلك المحمولات التاريخية عائقًا دون المساواة واكتساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في الدولة والمجتمع المتجدد في بعده السلبي العائق لانطلاق حياة تطبعها المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص(5).
خلال سنوات قلية تطور نشاط "لمعلمين" الحقوقي واتجه لتعويض نقص الحضور الثقافي الحِجاجي الذي يناقش ويُسائِلُ العديد من الأطروحات الاجتماعية التي ترتكز عليها آليات حماية "الوضع الطبقي" المستقر منذ قرون سحيقة في موريتانيا.
إن حراك لمعلمين شكّل إضافة نوعية لحراك الأرقاء بما يتوفر عليه من قدرات الطرح الفكري والثقافي لأن هذه الفئة اشتركت مع حملة اللوح والقلم في البلاد في امتلاك أدوات الفتوة البيانية وإن منعها وضعها الطبقي باستمرار من امتلاك قيادة الفعل الثقافي لأنها اقتصرت دائمًا على الهيمنة على الإفتاء ولم تتصدر لقيادة القضاء والفتوى والطريقة الصوفية نظرًا لتحكم التقاليد الاجتماعية التقليدية المتوارثة. ومنذ عصور حيث ظلت مدارس تخريج الفقهاء والمفتين أهم مركز للتأثير القيادي في المجتمع الموريتاني ونفس الوضع تقريبًا تأخذه الطرق. وفي القرنين الأخيرين بلغت هذه الجوانب شأوًا بعيدًا وتداخلت تداخلاً كبيرًا مما حال دون تسلق الفتى المبرز "لمعلم" مركز القيادة والتوجيه مع أن كثيرين منهم أحرزوا ملكات فقهية وسلكوا طريقة القوم وكان حضورهم على مستوى مدارس استظهار القرآن بارزًا في المجتمع الموريتاني بل إنهم أحرزوا الصدارة في حفظ النص القرآني وآلياته، إلا أن هذا الحضور القوي "للمعلمين" لم يشكّل لهم ميزة مدرسية قيادية كما هي حال الفقه ومنزلة الفتوى والقضاء منه على وجه التحديد أو الطريقة الصوفية لما تمثله هذه المواقع الفكرية والتوجيهية من تأثير قيادي بارز. أضف إلى ذلك عوامل الوضع القبلي وما يفرضه من قيود كانت معوقة للتصدر القيادي لهذه الفئة وليس ذلك ناتجًا عن قصور بل إن بعض هؤلاء تجاوز في حذقه وذكائه الكثير من أبناء البيوتات العلمية العريقة رغم ظروفه الصعبة المعوقة للتحصيل العلمي.
ولا يستنكف البعض من الاعتراف بحقيقة وجود تراتبية اجتماعية عُرفية (غير مقننة) في تاريخنا؛ فهذا أمر مستقر ومسلّم ولكنه يستدرك أنه قد يكون من الظلم أيضًا استسهال إخضاع الطبقية الموريتانية للنماذج التفسيرية المنتزعة من مصطلحات الواقع الجديد للحياة الغربية المعاصرة، والتي نُقلت عن منهجيات أخرى ومجتمعات أخرى، ففي ذلك أخطاء منهجية عديدة وظلم تاريخي لن ترحمه الأجيال اللاحقة حينما تكتشف دونية الأسلوب المتبع لدى البعض الآن في إثارة هذه القضايا والمنهجية المتبعة لعلاجها. نعم قد يكون ثمة حق ولكن بعد انقشاع غبار الأنانية والشخصنة سيتضح أن عملية النضال لانتزاع الحق قد وقعت في أخطاء فادحة بحق الأجيال السابقة نتيجة إخضاع مفاهيمها ورؤيتها لآليات تفسيرية جديدة منتزعة من سياق اجتماعي ومنهجي آخر وفق آليات ورؤى مغايرة مع تفهّم ما في الأثر من أن "لصاحب الحق مقالاً"(6).
تدوير جديد
لا يُخفي البعض قلقه من إمكانية استغلال القوى الأجنبية للحراك الاجتماعي والحقوقي لتوجيه ضربات لخصوصية المجتمع الموريتاني الدينية والحضارية خصوصًا وأن موريتانيا تخضع باستمرار لتركيز آليات المنظمات الغربية التي ترى في الأنثروبولوجيا الاجتماعية في موريتانيا ما يثير فضولها وترى فيها من ناحية التراتبية الاجتماعية تحفة وعيّنة يجري الآن فحصها لتجريب العديد من الرؤى الفكرية والأيديولوجية المدفوعة من جوانب عديدة بدوافع مختلفة وليس أقلها أهمية المعطى الاقتصادي لثروات الصحراء التي يجري العمل في هذه الظروف على تكيف الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي فيها مع متطلبات استغلالها وخصوصًا بالنسبة للدول الكبرى؛ لذلك تهتم هذه الدول بإعادة صياغة النسيج الاجتماعي وصولاً للتحكم في إعادة نسج النخب السياسية وإعادة صياغة المؤسسات بما يخدم سيطرتها وتحكمها في توجيه التحولات الاجتماعية الجارية.
لقد تعودت فرنسا منذ منتصف القرن التاسع عشر أن تعيد باستمرار تدوير وصياغة الحياة الاجتماعية في غرب إفريقيا بما يخدم مصالحها وهي الآن من خلال احتلالها لمالي ووسط إفريقيا تعيد إحياء مشروعها الاستعماري الكلاسيكي ولكن بأدوات جديدة وأوعية جديدة متعددة الأوجه والأدوات، وتبدو شرائح اجتماعية معينة في موريتانيا أكثر رشاقة وأقدر من حيث اللياقة على الاستجابة لوظائف قيادة التحولات الجديدة؛ فمنذ ثلاثينات القرن التاسع عشر رأى الفرنسيون في بعض "الزوايا" خصائص حليف ناجح يناسب تحديات تلك المرحلة ونظروا إلى التكاثر السريع لفصائل "الولوف" فشكّلوا منهم طلائعهم وستائر جيشهم وبيضتهم العسكرية والأمنية، ونهضت استراتيجيتهم لهذا العهد فقضمت وأخضعت كل أشكال القوة المارقة على إرادتهم في الإقليم ووطدت أركان سلطانهم وعبّروا باستمرار عن تبرمهم من إصرار الشعب الموريتاني على خصوصيته الثقافية والحضارية ولاحت لهم دائمًا مقاومته الثقافية عائقًا دون بسط نفوذهم المستقر في هذه البلاد.
ومنذ ستينات القرن العشرين رأى الفرنسيون في إحداث شرخ بين الشريحتين الأبرز في موريتانيا وسيلة للتحكم والتوجيه واستمرار الوجود الثقافي، وتبعًا لذلك امتداد النفوذ والحضور الفاعل في توجيه سياسات الدولة والأنظمة المتعاقبة ولكننا الآن أمام دور غربي جديد (فرنسي+أميركي) عبّر عن نفسه في مناسبات مختلفة ويسعى باستمرار لإعادة صياغة حضوره وتجديد آلياته وتغيير تحالفاته وإجراء مراجعات لإعادة بناء ذاته في ظل التغييرات والتحولات الجارية.
قد يقول قائل: إن الأطراف الدولية لها حضورها المستمر وهي تحرك باستمرار أياديها الخفية وتصنع مواقف الأنظمة والدول وتستقطب الأطراف في تحالفاتها وهذا ما لا يمكن لأي من أطراف الحراك أن يتفاداه ولكن يمكنه أن يكون يقظًا حتى لا يتم توظيفه بدون وعي وحتى لا تخرج بوصلة الحراك من يده ليوظفها الآخرون لما يخدم أهدافهم وتوجهاتهم الراهنة والمستقبلية.                               
مقاربة المدافعة
ما دامت مسارات هذه التحولات متلازمة ومتكاملة وإن انفصل بعضها عن بعض في الشكل إلا أن الدولة الموريتانية ونخبها الوطنية تبقى مطالبة بالعمل على تخفيف وقع المسار التصادمي ومنع توظيفه لضرب الأسس والمرتكزات والثوابت التي تقوم عليها الحياة الوطنية منذ قرون خصوصًا فيما يخص الثوابت الحضارية للأمة.
 فلم يعد خافيًا أن السياق الجاري الآن مفتوح على احتمالات العبث به للنيل من  الإرث الحضاري للأمة بوصفه "تابو" يعوق التطور ويناقض التقدم وهي أطروحة قديمة إلا أن أساليبها تتجدد والهجمة الأخيرة على المقدسات تندرج في هذا السياق وتدلل عليه بشكل لا لبس فيه(7).
إن قيادة التحولات وتوجيهها من الداخل فعل مؤثر جدًا إن وجد الآليات والمداخل المناسبة ولكنه خطير جدًا وذو أثر سلبي في حال ما إذا تعدد الشركاء وسعاة التأثير.
تداخل المسارين
تداخل المسارين: التراكمي والتصادمي، في لحظات قادمة من مسار التحولات قد يشكّل خطرًا يهدد في لحظة قادمة السلم الأهلي في ظل استمرار حدة الفوارق بين الفئات الاجتماعية والانفجار السكاني المستمر والذي تميل مؤشراته لصالح الأرقاء السابقين والفئات المهمشة الأخرى خلال العقود القليلة القادمة. ونجد الآن أن ميزان القوة في التحول الاجتماعي بدأت مؤشراته الجزئية المنتزعة من واقع الحياة التفصيلية تميل لصالح الشرائح المهمشة من خلال تعزيز حضورها في المهن والمقاولات الصغيرة وزحفها على التعليم العمومي ودخولها للجيش والشرطة ووظائف الإدارة التي يأنف منها أبناء الطبقات الأخرى الساعون لمراكز أخرى أكثر امتيازًا في المنظور الاجتماعي الظرفي.
ولا يستبعد العديدون ممن يهمهم استشراف المستقبل أن تؤدي حالة الصلف والتجمد لدى صنّاع القرار في الدولة والمجتمع إلى تجذر الفوارق الطبقية في بُعدها الاقتصادي العام بين الأغنياء والفقراء من جهة وفي بعدها الصراعي الحقوقي من جهة ثانية مما سيسرّع بشكل كبير نجاح التحولات الاجتماعية الساعية لقلب المجتمع التقليدي رأسًا على عقب.
ومن الراجح أن تؤدي الصيرورة التاريخية براهن تحولاتها الجارية مع الربع الأول من القرن الحادي والعشرين إلى اكتمال التحول والانصهار في بوتقة مجتمع أقل صرامة طبقية ويمكن أن تقود التحولات السياسية إلى اختزال ذلك خلال سنوات قليلة.
ويبقى من الوارد جدًا أن تُستخدم قنبلة المسار التصادمي لضرب مشاريع التحولات السياسية التي لا يرضى عنها الفاعلون المتأثرون بالتيار الفرانكفوني في موريتانيا إذا مالت كفة التحول لصالح التيارات الأكثر ميلاً لصناعة التحول عبر المسار التراكمي مع إدخال تعديلات تميز إيجابي لصالح الطبقات المهمشة وهو ما لا يُرضي التيارات الساعية للدفع بالصراع نحو آفاق انفجارية تحطم كل الأسس الاجتماعية التي تسعى للتحول اجتماعي آمن يحقق استجابة لمطالب الفئات المهمشة من جهة ويحفظ السلم الأهلي من جهة أخرى.

محمد الحافظ الغابد- إعلامي وباحث موريتاني

الجمعة، 7 نوفمبر 2014

بوركينا فاسو: هل بدأ الربيع الإفريقي؟

الرأي الازوادي- مركز الجزيرة

المحتجون اجتاحوا شوارع واغادوغو وطالبوا برحيل كومباوري الذي كان يخطط للبقاء في الحكم لسنوات أخرى [غيتي/الفرنسية]
ملخص

أطاح احتجاج الشارع في دولة بوركينا فاسو الإفريقية بالرئيس بليز كومباوري بعد 27 سنة من الحكم غير الديمقراطي، فكثيرا ما تلاعب بالانتخابات، ومارس الفساد الاقتصادي والمالي، وحاول أكثر من مرة أن يغير دستور البلاد لصالح استمراره في الحكم. سارعت القوات المسلحة بعد تنحي كومباوري إلى تسلم رئاسة الدولة وهو ما اعتبره المتظاهرون إجراءً غيرَ دستوري؛ إذ من المفترض أن يتولى رئاسة المرحلة الانتقالية رئيسُ البرلمان. ومن المرجح أن يظل الشارع مضطربا ومحتجا حتى تلبى مطالبه الأساسية ومنها تسيير المرحلة الانتقالية بشكل شفاف ومن طرف رئيس مدني، ومن المرجح أيضا أن يظل قادة المؤسسة العسكرية متمسكين بالسلطة وحريصين على أن يتولوا إدارة هذه المرحلة حتى يضمنوا عدم فتح ملفات عديدة قد تدين أغلبهم. وفي ظل هذا التجاذب يبقى احتمال تدويل الوضع في هذه الدولة الإفريقية الفقيرة واردا، خصوصا وأن دول الإقليم لا تريد أن تسير إليه عدوى "الربيع البوركينابي"، وأن فرنسا، ذات النفوذ القوي في المنطقة، ستظل حريصة على أن يكون يتم أي تغيير سياسي في هذا البلد تحت أعينها.
عَرَفَت دولة بوركينا فاسو بغرب إفريقيا ثلاثة أيام من التظاهر والاحتجاج وأعمال العنف، أدت في النهاية إلى الإطاحة برئيس البلاد بليز كومباوري. عمَّت المظاهراتُ كبرياتِ مدن البلاد كالعاصمة وَاغَادُوغُو (وَاغَا اختصارًا) ومدينة بُوبُو جَلاَسُو، وكان الهدف من تلك الاحتجاجات الوقوفَ في وجه المصادقة على مشروع تغيير دستوري معروض على البرلمان البوركينابي، كان سيسمح، في حالة الموافقة عليه، بأن تكون للرئيس فترات رئاسية ثلاث بدل فترتين. ويتضمن التغيير الدستوري أمورا أخرى من بينها إنشاء مجلس للشيوخ، ويهدف كومباوري من خلاله الى تعيين أكبر كتلة داعمة لحكمه وهي الشيوخ التقليديون وكبار الملاك في القطاع التجاري بالإضافة إلى القادة الدينيين والملوك المحليين أو من ينوب عنهم.
أثار مشروع التغيير الدستوري غضب الشارع البوركينابي الذي رأى فيه مجرد وسيلة لبقاء الرئيس المتنحي بليز كومباوري في السلطة. كان من المقرر أن يكون يوم الخميس 30 ديسمبر/ كانون الأول 2014 مناسبة لمصادقة البرلمان على تغيير المادة 37 من الدستور التي تنص على أن فترة رئيس البلاد لا تتجاوز فترتين كل منهما خمس سنوات. وقد سعى الرئيس المتنحي من خلال هذا التغيير إلى أن يبقى مدة أطول في الحكم خصوصًا وأن فترته الراهنة تنتهي سنة 2015. كانت المعارضة البوركينابية، وعلى رأسها الاتحاد من أجل التقدم والتغيير وهو أكبر حزب معارض، يمتلكها هاجس خوف مردُّه أن المصادقة على تغيير كهذا قد لا يدفع بالرئيس المتنحي إلى البقاء في السلطة فحسب، بل إنه قد يفسر التغيير الدستوري الجديد بأنه غدا بإمكانه أن يترشح في المستقبل لفترات ثلاث جديدة؛ وهذا يعني في المحصلة أن الرئيس كومباوري، البالغ من العمر 63 عامًا، والذي تولى الحكم منذ سنة 1987، سيضمن له هذا التغيير 15 عامًا قادمة من السلطة والتحكم في البلاد.
من كان وراء التغيير في بوركينا فاسو؟

لم تفتأ المعارضة البوركينابية، الساعية إلى الإطاحة بالرئيس بليز كومباوري، تتحدث عن ربيع بوركينابي يستلهم من الربيع العربي وخصوصًا أن ما حصل في تونس يشكِّل مثالاً يُحتذى. أطلق المعارض ومرشح الرئاسيات السابق: إميل بارغي باري، رئيس الحركة الشعبية من أجل الاشتراكية/الحزب الاتحادي، وهو أحد أبرز الأحزاب السياسية المعارضة في بوركينا فاسو، نداء عاليًا للوقوف في وجه تغيير المادة 37 من الدستور. لقي نداء إميل باري أصداء واسعة في صفوف المعارضة البوركينابية، والمجتمع المدني، وفي صفوف الشباب بعد أن سئم الجميع حكم الرئيس كومباوري. وقد تولد لدى جميع هذا الطيف خوف خصوصًا وأنه من السهل على حكومة كومباوري التي تتمتع بأغلبية مريحة في البرلمان تمريرُ هذا التغيير الدستوري. فللحزب الحاكم والأحزاب الموالية له أغلبية ساحقة في البرلمان، ولن يعوزها توفير ثلاثة أرباع النواب، أي: 96 صوتًا من بين 127 صوتًا المشكِّلة لعدد نواب البرلمان، حتى يصبح التغيير نصًّا دستوريًّا ملزمًا.
ولعل أبرز لاعب في هذا الحراك كان الشباب البوركينابي الذي يشكِّل نسبة 60% من مجموع سكان البلاد المناهِز عددهم الـ17 مليون نسمة، وخصوصًا مَن هم من الشباب دون 25 سنة. شكَّل هؤلاء الشباب أبرز عنصر في الاحتجاجات وركبوا بسرعة موجة الحراك ضد الرئيس والدعوة إلى تنحيه. فكان يوما الخميس والجمعة (30 و31 أكتوبر/تشرين الأول 2014) مناسبة لعصيان مدني قاده الشباب في أبرز المدن البوركينابية الكبرى تلبية لدعوة زعماء الأحزاب السياسية المعارضة. لم تكن علاقة الرئيس كومباوري بالشباب طيبة، وخاصة منهم الحركات الطلابية التي كثيرا ما دعت للتظاهر منددة بحكمه. وقد حاول الرئيس المتنحي أكثر من مرة احتواء حراك الشباب فعقد معهم أكثر من لقاء ووعدهم بدعم وتوفير فرص عمل لهم إلاّ أنّها وعود لم تتحقق غالبا.
لم يمنع الطوقُ الأمني، الذي فرضه الحرس الرئاسي في شوارع العاصمة واغا المتظاهرين من أن يصلوا إلى مبنى البرلمان ويضرموا فيه النار؛ مما عطَّل بشكل عملي أي اجتماع مزمع للنواب ومن باب أحرى أن يتم التصويت على المادة المثيرة للجدل. كما استطاع المتظاهرون أن يحتلوا مبنى التلفزيون الوطني، وأن يحرقوا ما يقارب 18 سيارة. وفي الوقت نفسه تم إحراق مبنى البلدية ومبنى الحزب الحاكم في مدينة بوبو جولاسو ثاني أكبر مدن البلاد. وقد توفي يوم الخميس 30 أكتوبر/تشرين الأول ما يقارب 30 شخصًا من بين المتظاهرين كما جُرح عدد أكثر، ولم تسلم عدة محلات من النهب والسلب.
وفي نفس يوم الخميس بدأت تظهر علامات نجاح هذه الحركة حيث أعلنت الحكومة عن إلغاء التصويت على تغيير دستور البلاد، إلا أن ذلك لم يوقف الاحتجاجات الشعبية التي عمت الشوارع وارتفع سقفها من المطالبة بعدم المصادقة على تغيير الدستور إلى المطالبة برحيل الرئيس نفسه، وهو ما تم يوم الجمعة حين أعلن عن تنحيه عن الحكم.
من الواضح أن الرئيس المتنحي لم يرد تكرار تجربة الرئيس السوري بشار الأسد في التمسك بمقعده ومواجهة الجماهير المتظاهرة، خصوصًا وأن الجيش لم يبد استعداده للدفاع عن نظام كومباروي، حيث تركزت المواجهة بين المتظاهرين وبين عناصر الحرس الرئاسي فقط. وما كان من الرئيس كومباوري إلا أن أعلن في البداية عن حل البرلمان وحل الحكومة واستعداده لرئاسة حكومة جديدة تشرف على مرحلة انتقالية لا تتجاوز سنة، فضلاً عن نيته عدم التقدم لمأمورية جديدة. غير أن هذه القرارات زادت في حدة الاحتجاجات الشعبية وتمادي المتظاهرين في انتشارهم ومطالبتهم برحيله، فما كان من كومباوري إلا أن أعلن عن تنحيه النهائي. وقد توجه بسرعة مع أسرته إلى دولة كوت ديفوار المجاورة التي وفرت له ولحاشيته المأوى.
وقبل تنحي كومباوري عن السلطة بقليل وقبل تواريه عن الأنظار تولت المؤسسة العسكرية السلطة، وسرعان ما ظهر تنازع على تسيير ما بات يسمى بالمرحلة الانتقالية بين شخصيتين عسكريتين، هما: الجنرال أونوري تراوري القائد الأعلى للأركان والمقدم يعقوب إسحاق زايدا وهو القائد العام المساعد للحرس الرئاسي. ومن المفارقات أنه في يوم الجمعة 31 أكتوبر/تشرين الأول 2014 كان ثلاثة أشخاص يتولون رئاسة البلاد معًا قبل أن يعلن كومباوري تنحيه النهائي وقبل أن تحسم المؤسسة العسكرية الصراع لصالح يعقوب إسحاق زايدا الذي زكَّته المؤسسة وعينته رئيسًا للبلاد بإجماع قياداتها.
يُعرف عن الرئيس الجديد المقدم إسحاق زايدا أنه منحدر من إثنية الموشي التي ينحدر منها الرئيس المتنحي بليز، كما أنه كان نائب المقدم بوريما كيري قائد الحرس الرئاسي، كما أنه مقرب من الجنرال جيلبير ديندريه رئيس الأركان الخاصة المتقاعد، والذي يحظى بشعبية واسعة، وقد ورد اسمه مرارًا على ألسنة بعض المتظاهرين خلال الأيام الماضية بوصفه الشخص المناسب لقيادة الفترة الانتقالية. وللمقدم إسحاق زايدا علاقة خاصة مع المحيط الاجتماعي لسيدة القصر الرئاسي السابقة، فهو صهر أخت السيدة شانتال كومباوري زوجة الرئيس المتنحي.
تعددت الأسباب والنتيجة واحدة

شكَّلت محاولة الرئيس المتنحي كومباوري تغييرَ المادة الدستورية المتعلقة بمدة حكم الرئيس السببَ الأساسي في نزول مئات الآلاف من الشباب البوركينابي إلى الشارع. ومعلوم أن كومباوري كان قد غَيَّر الدستور مرتين لصالح بقائه في السلطة؛ كانت أولاها سنة 1997 وثانيتها سنة 2000. كما أن آخر استحقاق رئاسي تم سنة 2001 قد ولَّد امتعاضًا شعبيًّا واسعًا حين نجح الرئيس المتنحي بنسبة 80% من المليون ونصف المليون المسجلين على اللائحة الانتخابية، وهي لائحة تبلغ أقل من عُشر سكان البلد البالغين 17 مليون نسمة.
ومنذ سنوات ظهر استياء شعبي تجاه كومباوري نفسه وأسرته والمقربين منه سببه الاعتقاد بأنهم يستحوذون على مصالح تجارية واسعة في البلاد، وأنهم يضعون أيديهم على موارد البلاد المعدنية، وعلى ريع تصدير مادة القطن، فضلاً عما أشاعوه من فساد مالي في البلاد، وكانت كلها عوامل حركت الشارع البوركينابي. ومن غير المستبعد أن يكون كومباوري سعى لتمديد فترة ولايته، بسبب أن حاشيته يخشون من خسارة كل ما كانوا قد اكتسبوه من مصالح اقتصادية.
ولا يزال الاغتيال التراجيدي للرئيس البوركينابي السابق توماس سنكارا سنة 1987 يلقي بكثير من اللوم والعتاب على الرئيس المتنحي كومباوري، المتهم بتدبير اغتيال صديقه بالأمس سنكارا. كان سنكارا ذا توجه ماركسي وذا كاريزما طاغية لا تختص بشباب بوركينا فاسو فقط بل بعموم الشباب الإفريقي الذي جعل منه تشي غيفارا إفريقيا. ويكاد ملف اغتيال الرئيس سنكارا وضرورة فتحه يكون محل إجماع لدى الشارع البوركينابي، وهو ملف طالما تستر عليه نظام كومباوري.
ولم يكن ملف الرئيس سنكارا الاغتيال الوحيد حيث عرفت العشرية الأولى من حكم كومباوري اغتيالات سياسية عديدة لعل من أبرزها وأكثرها غموضًا مقتل الصحفي نوبير زونغو سنة 1998 الذي يُتهم نظام كومباوري بتدبيره.
تتميز بوركينا فاسو بأنها من بين الدول الإفريقية الأكثر هشاشة، فقد كان نظامها قمعيًّا، وقد تحولت معه الدولة إلى نظام مبني على شخصنة السلطة، بحيث يمسك الرئيس كومباوري كل خيوطها بيده، وهو ما عرَّض الدولة للعديد من الأزمات السياسية والاقتصادية. لم تعرف بوركينا فاسو منذ استقلالها عن فرنسا سنة 1960 قواعد راسخة لممارسة وانتقال السلطة، كما لم تعرف الاستقرار القائم على المؤسسات السياسية القوية؛ الأمر جعل النظام السياسي عرضة لسيطرة الرئيس وحاشيته فضلاً عن حضور للتجاذبات الداخلية ذات الطابع الإثني والقبلي والجهوي. وقد فشلت بوركينا فاسو في توفير الخدمات الأساسية لكل المواطنين.
ولم تكن هذه العوامل الداخلية هي ما أضعف نظام كومباوري وعجَّل بتنحيه بل إن هنالك عوامل خارجية لعل من أبرزها الموقف الفرنسي من هذا النظام. يُعتبر كومباوري من أبرز حلفاء فرنسا في غرب إفريقيا، وقد لعب أدوارًا عديدة في مناطق الصراع الإفريقية التي تهتم بها فرنسا، منسقًا في أغلب الأحيان تحركه مع رؤية باريس، إلا أن فرنسا رأت في الحراك الاحتجاجي المتزايدا ضد كومباوري ضرورة للبحث عن حليف قوي في المشهد المستجد، بحيث لم يعد الاعتماد على كومباوري مناسبًا. وغير مستبعد أن تكون الصيغة التي وقع بها اختيار المقدم إسحاق زايدا قد تمت بترتيب مع باريس؛ ففرنسا قد اعتمدت على دولة بوركينا فاسو في العشرية الأخيرة اعتمادًا كليًّا فيما تسميه فرنسا: "الحرب على الإرهاب" في منطقة الساحل؛ وفي العاصمة واغا توجد القاعدة العسكرية الفرنسية للقوات الخاصة المكلفة بإدارة "عملية برخان" (L'opération Barkhane) التي أعلنت عنها في باريس في 1 أغسطس/آب 2014 والمكلفة بتنسيق الجهود لمحاربة الإرهاب مع خمس دول من دول الساحل، هي: موريتانيا ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد. فمن المستبعد أن يتم أي تغيير في هرم السلطة في واغا دون أن يكون لباريس دور في ذلك. 
ما بعد كومباوري: سيناريوهات متعددة

تعتبر قيادة الجيش البوركينابي المستفيد الأول من سقوط كومباوري وليست المعارضة ولا ناشطي المجتمع المدني رغم تعبئتهم للشارع ونشاطهم في الأيام الماضية؛ فالجيش هو من بادر لملء الفراغ وقدَّم نفسه بديلاً حتى قبل أن يكون منصب الرئيس شاغرًا. حسم الجيش بسرعة الخلاف حول البديل العسكري الذي سيكون رئيسًا للدولة، ولعل من أسباب ذلك أن مؤسسة الجيش ضالعة مع الرئيس المتنحي في كثير من الملفات التي من الممكن أن تثار في هذه الفترة الانتقالية في حال ما إذا تولت المعارضة الحكم. وتميزت سياسة كومباوري تجاه قادة الجيش في الغالب بمداراته لهم وتغاضيه عن بعض هفواتهم.
يرى بعض المتخصصين أن الطبخة التي تم بموجبها اختيار المقدم إسحاق زايدا رئيسًا للبلاد قد تمت بالتنسيق مع فرنسا، ذات التأثير القوي في دول غرب إفريقيا.
ومن بين الملفات التي قد تأخذ مساحة في المرحلة الانتقالية ما يتعلق بأسرار مصرع الرئيس السابق توماس سانكارا الذي ظل نظام كومباوري ومؤسسة الجيش مصرَّيْن على التكتم عليه ويعتبر سرًّا من الأسرار الأمنية التي لا ينبغي الكشف عنها. وفي نفس الوقت تعمل أرملة الرئيس السابق مريم سانكارا على أن يكون موضوع مصرع زوجها من مشمولات الفترة الانتقالية، وتجد دعمًا قويًّا في سبيل مسعاها من لدن المعارضة ونشطاء المجتمع المدني. ويضع هؤلاء ضمن أولوياتهم ومنذ عهد بعيد عريضة مطلبية تدعو لاستخراج جثمان توماس سانكارا وكشف الحقيقة وتقديم المتورطين من الجيش في مقتله للمحاكمة، ويكاد يكون الشعب طرفًا في هذا المطلب إلى جانب المعارضة والمجتمع المدني. أما في داخل الجيش وقياداته فلا أحد يريد لهذا الملف أن يتقدم فهو خط أحمر.
وهنالك ثلاثة سيناريوهات من المتوقع أن تتجه نحوها مسارات الأحداث:
السيناريو الأول: الجيش والتحكم في المعارضة

هذا السيناريو هو الأقل احتمالا وهو أن يخترق الجيش المجتمع المدني والشباب وأحزاب المعارضة، ويتم الاتفاق على حكومة انتقالية يتم تعيينها تحت إشراف رئيس عسكري، وتشرف على المرحلة الانتقالية، وتضم بعض شخصيات المعارضة. وما يجعل هذا السيناريو واردا أن أحزاب المعارضة قد توحدت لمعارضة كومباوري لما كان رئيسًا، إلا أن لكل منها توجهاتِه السياسية الخاصة، خصوصًا وأن تحالفها في السابق كان تحالفًا ظرفيًّا أمْلته المصالح، وقد تجد نفسها بعد أن نجحت في إزاحة الرئيس في حالة تنافس على تقسيم الكعكة. ومع أنه لم يظهر حتى الآن ما يوحي بتصدع حلف أحزاب المعارضة البروكيناوية فإن هذا الاحتمال يبقى مطروحًا بشكل غير حتمي. من بين شخصيات المعارضة السياسية البوركينابية ذات المستقبل السياسي الواعد كوامي لوغي، وهو سياسي وجنرال متقاعد، وله شعبية واسعة وقد نالها حين كان وزيرًا للدفاع. كما يحظى زعيم المعارضة زيفرين ديابريه، رئيس حزب التداول الديمقراطي، بشعبية قوية، وهو رجل أعمال ومقرب من بعض الدوائر المالية والسياسية الفرنسية. ويحظى حزب الحركة الشعبية من أجل التقدم (MPP)، الذي أسسته مؤخرًا شخصيات انسحبت من الحزب الحاكم، بشعبية وافرة وتزداد باطِّراد.
السيناريو الثاني: استمرار الاحتجاجات وتصعيد المعارضة

من الواضح أن المطالب الاجتماعية والسياسية التي نادت بها أحزاب المعارضة وهيئات المجتمع المدني والشباب البوركينابي، ونزولهم للشارع، ومطالبتهم برحيل كومباوري، وعزوف الجيش عن التدخل وتنحي الرئيس كومباوري بعد 27 سنة من الحكم كلها نقاط أعطت أهمية قصوى للشارع، وتحكُّمه في تغيير الواقع السياسي. وقد أصبح الشارع مجالا للتعبير عن المطالب والضغط على الحكومة، وبالتالي قد تظل المعارضة متمسكة بهذا الوسيلة الضاغطة، حتى يستجيب الجيش لمطالبها وعلى رأسها تسليم البلاد لرجل مدني يقود المرحلة الانتقالية.
غير أن أجواء التصعيد لا تروق للمؤسسة العسكرية التي كان قادتها قد سارعوا إلى تولي سدة الحكم، ويُنظر إليهم على أنهم امتداد لحكم الرئيس المتنحي. وما قاموا به حتى الآن من تمسك بالسلطة قد أصاب المتظاهرين بالإحباط. ومعلوم أن جميع القادة العسكريين الذين يديرون سدة الحكم الآن قد تم تعيينهم في مناصبهم من طرف الرئيس المتنحي، وهم امتداد لفترة حكمه.
وبالنسبة للمعارضة والمتظاهرين فإن تعيين قائد عسكري رئيسًا للبلاد يعتبر إجراءً غير دستوري؛ فالدستور ينص على أن يتولى الحكم رئيس البرلمان مدة محدودة لا تزيد عن ستين يومًا في حالة غياب رئيس الجمهورية. ومع تولي الجيش للسلطة بهذه الطريقة واحتكاره لرئاسة البلاد فإن سيناريو التصعيد وتحريك الشارع يصبح احتمالا واردا بالنسبة لمعارضة ترى أنها هي من نحَّى كومباوري وأنها اكتسبت بذلك شرعية ثورية.
السيناريو الثالث: تدويل الحالة البوركينابية

وهذا السيناريو هو الأكثر احتمالا، ويقوم على أن مسار التصعيد المطرد، والتدخل السافر للمؤسسة العسكرية في الشؤون السياسية للبلد، قد يدفع بمجموعة الإيكواس (المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا) وببعض الدول الغربية وخصوصا فرنسا إلى توجيه مسار الأحداث في بوركينا فاسو، وذلك بوضع خارطة طريق تدفع بالأطراف المتنازعة إلى الاتفاق على مرحلة انتقالية تتوج بانتخابات ديموقراطية. ومن البديهي أن التصعيد في بوركينا فاسو قد يصيب دول مجموعة الإيكواس بالعدوى خصوصا وأنه يوجد تداخل إثني وقبلي بين بوركينا فاسو الدولة الحبيسة وبين ست دول في غرب إفريقيا. وستشهد الأيام القادمة تحركا ديبلوماسيا متعدد الأطراف منه ما هو إقليمي ومنه ما هو قاري ومنه ما هو دولي يسعى معا لاستيعاب الحالة البوركينابية المعقدة، مع العلم أن لكل طرف إقليمي أو قاري أو دولي رؤيته الخاصة ومصالحه في بوركينا فاسو.
وفي المحصلة، فقد طرح تنحي بليز كومباوري عن الحكم عدة إشكالات، من أبرزها: علاقة المؤسسة العسكرية بالحكم في هذا البلد الإفريقي. وسيفرض تمسك هذه المؤسسة بالحكم على مكونات المشهد السياسي والاجتماعي واقعًا لا يختلف كثيرًا عما كانت عليه الحال في ظل نظام الرئيس المتنحي. لذلك، فإن تطورات المشهد السياسي والأمني مرشحة لتجاذبات مستمرة بين الجيش والأحزاب السياسية والمجتمع المدني فضلاً عن الشباب الذي كان له دور كبير في التغيير الذي حصل. كما ستكون لتطورات الحالة البوركينابية تداعيات إقليمية ودولية ستكشف عنها تطورات المشهد في الأسابيع القادمة.

*سيدي أحمد ولد أحمد سالم، باحث في مركز الجزيرة للدراسات مختص بالشأن الإفريقي.

انتشار السلاح الليبي والتعقيدات الأمنية في إفريقيا

الرأي الازوادي- المصدر: مركز الجزيرة للدراسات
(الجزيرة)
ملخص
أدى انتشار السلاح الليبي بعد انهيار نظام العقيد القذافي إلى تغذية مناطق الصراع وتأزيم مناطق التوتر في منطقة الساحل الإفريقية. بدأ هذا الانتشار عن طريق تجار مدنيين ثم ما لبث أن تشكلت شبكات معقدة لتهريبه، منها ما ترعاه عشائر ومنها ما يتبع لتنظيمات وجماعات مسلحة. وتنشط هذه الشبكات والجماعات على حدود ليبيا البرية التي تزيد على أربعة آلاف كلم. وضمن أفراد هذه الشبكات رجال من الصحراء ماهرين في مسالك الصحاري وعارفين بتضاريسها، وهو ما سهل توصيل الأسلحة الليبية لنقاط توتر عديدة في مالي ونيجيريا والسودان وإفريقيا الوسطى وتونس والجزائر وغيرها. وتزداد خطورة هذا التهريب في الوقت الذي تتلاشى فيه سلطة الحكومة المركزية في ليبيا، بل وتجد ليبيا نفسها في استقطابات سياسية وعسكرية وأمنية تمنعها من السيطرة على حدودها وعلى نشاط شبكات التهريب. وقد وصل السلاح الليبي المهرب إلى 14 دولة حسب بعض التقارير التي تؤكد أيضا على أن هذا السلاح المهرب يقدر بأكثر من 45 مليون قطعة سلاح. ويبقى انتشار السلاح الليبي في إفريقيا تحديا أمنيا خطيرا لم يجد بعد من السبل والتدابير ما يوقف تدفقه مما يعني أن أفريقيا جنوب الصحراء ستظل تحت شبح التهديد لفترة زمنية مقبلة.
تطايرت شظايا السلاح الليبي بعد انهيار القوات المسلحة وقوات الشرطة الليبية الذي أعقب السقوط الدموي المفاجئ لنظام معمر القذافي، لتصل إلى مختلف المواقع المتأزمة في الجوار الليبي وبؤر التمرد في المنطقة، لقـد رفـع هـذا السقوط المـدوي، بحسـب مدير مشروع مجموعة الأزمات الدولية لشمال إفريقيا وليام لورانس، الغطاء عن مرجل يغلـي بتوترات إقليميـة وصراعات عشائرية كانت تنضـج ببطء تحت الغطاء، منـذ 45 عامًا.
سجلت ليبيا منذ استيلاء العقيد معمر القذافي عـلى مقاليد الحكم في 1 سبتمبر/أيلول 1969 مستويات قياسية من الإنفاق العسكري، سـواء من حيث الأرقام المطلقة أو من ناحية نسبته في الناتج القومي الإجمالي. فطبقًا لتقديرات 1998، سجلت ليبيا إحدى أعلى نسب الإنفاق الدفاعي في شمال إفريقيا بمبلغ قُدِّر بـ1.5 مليار دولار قياسًا للناتج القومي الإجمالي، وذلك ما يناهـز نسبـة 5.1% وهي نسبة عالية جدًّا بالمعايير العالمية، وبالرغـم من تقويض مؤسسات الدولة الليبية حاليًا ومخاوف تقسيـمها مستقبلاً، إلا أن مؤشـرات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) عن العام 2013، تؤكـد أن حجم الإنفاق على القوات المسلحة الليبية وصل إلى 1.3 مليار دولار.
ليبيا.. سوق سلاح مفتوح
بعد استيلاء القذافي على السلطة أطلـق على القوات المسلحة الليبية تسمية "جيش الشعب المسلح"، وحتى قبيل سقوط نظامـه كان الجيش الليبي يضم نحو 130 ألف مقاتل، أي ما يناهز نسبة 2% من عدد السكان، بحيث يتوزع المنخرطون في أركانه ما بين القوات الشعبية المسلحة في الخدمة APOD أو الجيش، والقوات البحرية العربية الليبية، والقوات الجوية الجماهيرية العربية الليبية LAAF. كما حظيت هذه الوحدات بمستوى جيد من التسليح، غير أن حجم العتاد المتاح لم يشفع للجيش الليبي المنظم بالصمود طويلاً خلال مواجهته للثورة، حيث عَرَّتْ سريعًا سوء تنظيمه وانعدام الخبرة والتدريب لدى قادته الميدانيين، بالإضافة إلـى سرعـة انكسار روح أفراده المعنوية أمام مضامين الحرب الإعلامية التي أفرزتها المطالب الشعبية التي بشرت بها موجة الربيع العربي، وأدارها ببراعة الثوار المدعومون بالقدرات العسكرية لحلف شمال الأطلسي (NATO)، وبذلك انهار الجيش الليبي تمامًا، تاركًا خلفـه مخازن مليئة بالذخائر وبمختلف أصناف وأحجام السـلاح، حيث قُـدِّرَ عـددها بـ87 مخزنًا دُمِّر منها 21 مخزنًا أثناء الثورة. ونظرًا لتقاتل الميليشيات المتنافسة والجماعات الإسلامية المتشددة على بسط نفوذها السياسي، والاستحواذ على الاحتياطات النفطية الكبيرة، بعد استيلائها على الأعتـدة الليبية فقـد أثار ذلك مخاوف المجتمع الدولي من سقوط السلاح الليبي في أيدي جماعات عابرة للحدود وهو ما من شأنه أن يقود إلى حصول اعتداءات مستقبلية في الخارج، وخاصة في أعقاب تداول عـدة تقارير إعلاميـة عن وجود مخاطر بتحويل مسـار محتويات مخازن الأعتدة وخاصة في ظل انعدام أية تدابير لتأمينها.
ولفهم طريقة انتشار الأسلحة الليبية وتهريبها، من اللازم التأكيد على أن عمليات نقل العتاد العسكري داخل ليبيا، بدأت بواسطـة معاملات تجارية يبرمها المدنيون لشراء ترسانة القذافي في ظل استمرار حالة الفوضى التي تعم ليبيا قبل أن تتطور مظاهر الانتشار لتصل مرحلة استولت فيها جماعات مسلحة على المخزونات الحكومية بالقوة، حتى أصبح البارود الليبي متاحًا للجميـع بعد سقوط الدولة؛ وهو الأمـر الذي جعل من هذا السلاح خطرًا يهدد بنسبة كبيرة دول الجوار، ويجعـل ليبيا في مهب ريح لا يمكن التكهـن بعواقبها أو إلى أين ستمضي ببلد عصفت به أحلام الثورة.
لأجل السيطـرة على مخازن السلاح، وحقول النفط اندلعت مئات المرات الاشتباكات بين القوات المسلحة الليبية والجماعات المسلحة المناوئة لها، والتي يتضاعف عدد أفرادها وتقوى شوكتها كلما تآلفت أكثر قواها العشائرية وانسجمت مطامعها الجهوية، مع كل ما يمثله ذلك من قيم نقيضه للحياة الديمقراطية والتعددية التي نادى بها منظرو الربيع العربي، ومن مظاهـر سقوط الثورة الليبية عودة المجتمع إلـى أطره التقليدية جلبًا للحماية وأخذًا للثأر أحايين أخرى أو تأكيدًا لمكانـة مأمولة. ومن ذلك تفشي النزاعات المستجدة على الليبيين والمرتبطة هذه المرة بجنسيـة قبائل معينـة، كالطـوارق والتبو غيرهم ممن انتهـز الفـرصة للعمل على تقوية وتعزيز وجوده وفرض أجندته في الجنوب الليبي أو للسيطرة على طرق التهريب المدرة للربح، وطبقًا للتوصيفات الأمنية الرائجة في المنطقة فإن الحدود الجنوبية بين ليبيا ومالـي والنيجر باتت شبه سائبة بحيث تتخذ منها جماعات إرهابية أو إجرامية -إلـى جانب ذلك- نقطة تمركـز لتخطيـط أنشطتها وتنسيق عمليات تخـزين ونقل وتهريب الأعتدة غير المحدودة إلى خارج ليبيا.
من البيِّن أنه على تلك الحدود البالغ طولها 4000 كلم، تشكَّلت جيوش جرَّارة من جنسيات مختلفة، ويكفي للتدليل على ذلك تصـريحات آبو موسى، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى وسط إفريقيا "وليـس من المتصور أن بعض العائدين إلى بلدانهم، وبخاصة أولئك الذين شاركوا في عمليات عسكرية أو أمنية في ليبيا، تم توظيفهم بعد العودة كمرتزقة أو حتى مقاتلين ضمن صفوف الجماعات المسلحة في المنطقة الوسطى من إفريقيا". وتكمن خطورة التصريحات فيما كشف عنه المبعوث الأممي؛ فعلـى سبيل الذكر اعترض قرابـة 80 ألفًا من التشاديين، لدى عودتهم إلى بلدهم الأصلـي، العديد من التحديات، من أبرزها: "فقدان التحويلات المالية"، مضيفًا: إن هؤلاء لـم يكن أمامهم سوى مقايضة أموالهم بالسلاح في أحسن الأحوال. إنه نفس التحذير الذي أطلقـه رئيس وزراء ليبيا، عبد الرحمن الكيب، في خطاب ألقاه بقمة الاتحاد الإفريقي سنة 2012، وقال فيه إن حدود بلاده المشتركة مع ست دول، باتت معبرًا "للمواليـن للنظام السابق المسلحين، وإن هؤلاء يشكِّلون تهديدًا للأمن القومـي الليبي والإفريقي بعامة".
بقيت نقطة غاية في الأهمية، وهـي تتعلق بانفلات العقـد المناطقي والعشائري؛ حيث إن سقوط القذافي كان بمثابة الشرارة لحرب قبلية وأحيانًا إثنية كما هو حاصل بين قبيلة التبـو وقبائـل أولاد أسليمان العربية في الصحراء المتاخمة للحدود الجنوبية مع تشـاد.
تم تسهيل نقـل وتخزين وشراء ومقايضة السلاح الليبي بفضل، رجال الصحراء العارفين جيدًا بالتضاريس الجغرافية للمنطقة بحيث عبرت القوافل حدودًا خاضعة فقط لقوانيـن قبلية أو لمشيئة مجموعات غير مرئية ممن كان له الدور فـي إزاحة الدولة المركزية وإقامـة دويلات ريعية وإمارات عشائرية تنتهي حدودها حيث تنضب آبار النفـط!
وفي المحصلة، كانت الميليشيات تقاتل ضد نظام القذافي منذ ثلاث سنوات، لكـن نفس القوى هي المسؤولـة الآن عـن جرِّ ليبيا إلى الفوضـى والفشـل، فالاشتباكات المستمرة بين الكتائب المسلحة يجعل الأمور في طريقها لمزيد من التوترات، خصوصا مع عدم كبح جماح الميليشيات المتناحرة عـن بسط سيطرتها على الاقتصاد الليبي والاستيلاء على آبار النفط من أجل تعزيز المعادلات السياسية والتنموية في ليبيا، هـذا فضـلاً عـن تعاظم دور أكثر من 1700 من الكتائب في تهريب السلاح عبر الحدود بعد الاستيلاء على مخازن الأعتدة.
من يستفيد من تهريب السلاح الليبي؟
باتت المخاوف تنتاب المنظومة الأممية والإقليمية مـن أدوار تضطلع بها جماعات متطرفة وأخرى متمردة في المتاجرة بمئات الأطنان من ترسانة الأسلحة الليبية، وتهريبها عبر الحدود، ويلقي هذا التهديد بظلاله الكئيبة على دول الجوار الليبي، التي تأثرت في العمـق بالأزمة الليبية. وفي العام 2013 نجحت صحيفة "صنداي تايمز" في تسريب تقرير صادر عـن الاستخبارات البريطانية يؤكد أن بوكو حرام استطاعت تأمين طريقها لتهريب السلاح من ليبيا إلى نيجيريا عبر تشاد، وأنه من بين السلاح المهرب مدافع مضادة للطائرات وقذائف هاون، وصواريخ أرض-جو، وقـد أصبحت مضامين ذلك التقرير حقيقة صارخة اليوم، كما مكَّن السلاح الليبي تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامـي (AQMI)، وحركات التمرد الطارقية كحركة تحرير واستقلال إقليم أزواد (MNLA) مـن السيطرة على شمال مالي، وإدخال المنطقة في حرب أهلية أعقبها دخول القوات الفرنسية والإفريقية إلى مالي بحجة طـرد "الإرهابيين". وتتعاظـم مصائب السـلاح الليبي الذي يقف أيضًا وراء حادثة إن آميناس في الجنوب الشرقـي الجزائري. لقـد ثبت، كذلك استخدام مسدسات ليبية في الاغتيالات السياسية بتونس، وفـي أحداث الشعانبي التي أُريقت فيها دماء كثيرة بواسطة أسلحة خفيفة قادمة من ليبيا، والأمثلة كثيرة ومتعددة لما خلَّفه انهيار النظام الليبي من مآس وعدم استقرار في المنطقة.
ومن المرجح أن يستفحل هذا الخطر أكثر ما دامت السلطات المركزية الليبية، غير قادرة على ضبط عمليات استرجاع الأعتدة، وإعادة هيكلة كتائب الثـوار بهدف بناء جيش وطني قوي ومؤهل.
أصدر مجلس النواب في أغسطس/آب الماضي القرار رقم (7) القاضي بحل التشكيلات المسلحة والكتائب غير النظامية، وليس من المنتظر تنفيذه نظرًا لسطوة واستئساد الميليشيات، وبدون الإسـراع بالعلاج فإن ليبيا تحت سطوة السلاح قد تتفكك إلـى دويلات كما كان الوضع قبل 1963 حين اتحدت طرابلس وفزان ثم برقـة لتأسيس المملكة الليبية المتحدة، وفي الوقت المعاصر تتجه "برقة" من جديد إلـى إقامة نظامها السياسي المستقل، مستفيدة من إمكانات ونفوذ "جيش برقة" الذي عهد بإدارتها منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2013 إلـى حكومة تضم 20 وزيرًا بحيث تشمل صلاحياتها بيـع وإنتاج وتصدير النفط!
وتعد كتائب مدينة مصراته (200 كلم شرق طرابلس) البالغ عددها 217 كتيبة أبرز قـوة عسكرية ضاربة بعد تأكيدها امتلاك الكثير من العتاد العسكري "النوعـي"، وفـي سجل هذه الكتائب أنها قاتلت إلى جانب مقاتلي كتائب الزنتان (100 كلم جنوب غرب طرابلس) والأخيرة مشكَّلة من وحدات قبلية، تنتمي إلـى أهالي منطقة "الزنتان" الصحراوية، والأخيرة غدت الآن وجهة لقاصدي تجار الأسلحة من مختلف الأنواع.
فـي السابق تحالفت القوتان للإطاحة بنظام القذافي، وهما تتصارعان اليوم للسيطرة على مطار طرابلس الدولي. وفـي الجنوب، هــدد الزعيم القبلي التباوي عيسى عبد المجيد ببيـع الأسلحة الثقيلة والدبابات وراجمات الصواريخ، إذا لـم تستجب الحكومة الليبية لدفـع مكافآت ثوار التبو البالغ عددهم 1200 مسلح، وتخوض كتائب التبو نزاعًا دمويًّا مع غرمائها المحليين كقبائل الزوية في الكفرة وأولاد أسليمان في سبها.
وعلى الحدود الجزائرية البالغ طولها 982 كلم، فقدت الحكومة المركزية في طرابلس السيطرة الفعلية على أغلب مناطقها، وفـي هذا الإطار نقلت تقارير إعلامية جزائرية تأكيدات على نفوذ 14 كتيبة مسلحة على طول الحدود الليبية، وتعد كتائب التبو أهم المجموعات المسلحة الناشطة هنالك، بالإضافة إلى كتائب ثوار غدامس والطوارق وكتيبة التولى، وكتائب أخرى من مناطق زويلة وبارجوج والقطرون.
من بين الكتائب المسلحة توجد جماعات سلفية، من بينها جماعة "أنصار الشريعة" المسؤولة عن الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي، ويسود الاعتقاد لدى الجهات الليبية المناصرة للجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر أن تحركه قد يشكِّل لبنة قوية لإنقاذ السلطة المركزية من حالة الفوضى التي تعانيها ليبيا منذ الإطاحة بمعمر القذافي عام 2011، لكن حفتر يواجـه العديد من الميليشيات الإسلامية المسماة "فجـر ليبيا" التي شكَّلت مؤخرًا حكومة موازية.
 مخاطر انتشار السلاح الليبي في إفريقيا
نبَّه تقرير نهائي أعده فريق من خمسة خبراء لدى الأمم المتحدة ينسق عملهم الخبير الإقليمي خليل مســن؛ على استمرار تدفق الأسلحة إلى ليبيا ومنها يجري تهريبه إلـى 14 دولـة على الأقل، وسعـى الفريق أثناء فترة مهمته إلـى ترتيب زيارات لتلك الدول، قبل أن يضمِّن تقريره كذلك صورًا ووثائق وملاحق سريـة لم تُنشر للعموم. لكن التقرير يؤكد على الانتهاكات المستمرة لقرار حظر الأسلحة المفروض على ليبيا والذي يشكِّل "إحدى العقبات الكبرى في سبيل الاستقرار داخل البلد والمنطقة". إنه وبحسب التقرير الذي سُلِّم لمجلس الأمن تطبيقًا لمقتضيات القرار رقم 1773/2011 فإنه على الرغم من التطورات الإيجابية الطفيفة التي تحققت على صعيد إعادة بناء القطاع الأمني الليبي إلا أن الأسلحة في معظمها تحت سيطرة جهات مسلحة غير تابعة للدولة كما أن نظم مراقبة الحدود لا تزال ضعيفة.
وتواجه عدة بلدان في منطقة الساحل، عمليات تمرد عنيفة انطلاقًا من ليبيا، ويشكِّل شمال مالي وشمال النيجر ودارفور، دواعي رئيسية للمخاوف الأمنية في المنطقة جرَّاء تنقل الأسلحة غير المشروع الذي بات يشكِّل أكبر تحد لسلطات المنطقة، كما تمثل عمليات الاختطاف، وغيرها من الأنشطة العنيفة التي تمارسها جماعات إرهابية مثل تنظيم القاعدة في بـلاد المغرب الإسلامي، تهديدات وتحديات هائلة للأمـن القومي لعدة بلدان في المنطقة وخاصة مالي وموريتانيا والنيجر ونيجيريا، وتسهم عائدات هذه الأنشطـة -يضيف التقرير- في تعزيز القدرة الاقتصادية للمشترين الراغبين، وفـي شـراء واقتناء كميات كبيرة من الأسلحة، منها بنادق هجومية، ومدافع رشاشة، ومقذوفات آر.بي.جي ومدافع آلية ثقيلة مضادة للطائرات محمولة على مركبات، وذخيرة وقنابل يدوية، ومتفجرات من طراز سمتكس.
وبحسب تقرير مكمـل، نشرته لجنة العقوبات على ليبيا فإنه توجد أدلة واضحة على خروج كميات كبيرة من الأسلحة الليبية أثناء وبعد الثورة، ولاسيما الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة فضلاً عـن المتفجرات، وفـي هذه الحالـة فإن توريد هذه الأسلحة قـد أجَّج النشاط الإرهابي في المنطقة والإجرام المسلح والنزاعات المحلية، وخاصة في شمال مالي.
واتهم تقرير الفريق المعني بليبيا، شبكات إجرامية مؤلَّفة من فئات عرقية عابرة للحدود الليبية بفضل امتداداتها داخل البلدان الأخرى، كقبائل التبو والطوارق اللتين أشار التقرير إلى دورهما في تهريب وتأمين نقل الأعتدة نحو غرب ليبيا وجنوبها وصولاً إلى بقاع نائية في إفريقيا.
وتضمن التقرير معلومات مهمة للغاية حول مالـي؛ حيث وُثقت مجموعة كبيرة من الأعتدة الليبية، وهـي تشمل أسلحة نقلها مرتزقة من الطوارق معهم أثناء فرارهم من ليبيا في عام 2011، وقـد استطاعت الحركة الوطنية لتحرير أزواد تخزين كميات كبيرة من هذه الأسلحة في منطقة غاو وضواحيها وفي جبال آدرار إيفوغاس، وتبيـن للفريق المعني بليبيا أن عمليات النقل من ليبيا إلى مالي لا تزال تجري، ويشارك فيها العديد من الجهات الفاعلة. بما في ذلك حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا وتنظيم "المرابطون" وخلايا مرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وجماعة أنصار الدين.
وعدا النشاط البري للجماعات المسلحة في شمال مالي، يكشف التقرير أن عمليات نقل غير مشروعة للسلاح الليبي تمت برعاية الدولة جوًّا إلى جماعات مسلحة في الجمهورية العربية السورية، وبحرًا إلـى جمهورية مصر العربية؛ حيث يصل نشطاء المهربين شبه جزيرة سيناء، وقطاع غزة، ومن المرجح أن تسهم تلك الأعتدة المهربة في تعزيز قدرات الجماعات الإرهابية فـي تونس، والصومال، والجزائر؛ إذ تشير التقارير الإعلامية إلـى أن جماعة بوكو حرام استطاعت توريد الأسلحة الليبية من خلال طريقين رئيسيين في شمال النيجر، وغرب تشاد.
ويُعتقد على نطاق واسع، أن حركة السيليكا المشكَّلة أساسًا من الأقلية المسلمة في جمهورية إفريقيا الوسطـى، قد استعانت في مارس/آذار 2013 بالسلاح الليبي في القيام بانقلابها العسكري، وفي إدارة الأزمة الأمنية التي أعقبت ذلك.
وتتهم الأمم المتحدة عدة دول برعاية عمليات نقل الأسلحة إلى المعارضة الليبية في بدايات الربيع العربي، وبعد ذلك من ليبيا إلى خارجها وخاصة إلى المعارضة السورية، ويشار بأصابع الاتهام إلى دور قطـري مزعوم عبر لبنان وتركيا.
مستقبل الأمن الإفريقي في ظل انتشار السلاح الليبي
تواجه المنطقة في دوائرها الجيوسياسية المختلفة تحديات إجرامية وأمنية متشابكة تتمثل في تجارة جميع أنواع السلاح وصولاً إلى تنامي عمليات الاتجار بأكثر من 45 مليون قطعة سلاح كانت بيد النظام الليبي السابق. ولتلافي الانجرار وراء الهاوية التي لا رجعة فيها، فإن المنتظم الدولي والإفريقي خاصة مطالب بتقديم العون المباشـر للحكومة الليبية في مجال تعزيز مراقبة الحدود وتنسيق العمـل المشترك بين الدول المتاخمة لليبيا من أجل تشكيل منصة رصد لمستويات انتشار السلاح الليبي بغية توقيف تهريبه إلى الخارج. وفـي هذا الصدد من المناسب أن تجد التدابير العملية التي اقترحتها دول الجوار الليبي على المستويين السياساتي والتخطيط عبر الحدود، طريقها إلى التجسيد الفوري. ومن الملائم كذلك استثمار جهود دول الميدان المكونة من موريتانيا، والجزائر، ومالي، والنيجر في مجال تعزيز أمن الحدود المشتركة وتقوية التنسيق الأمني على صعيد مواجهة وقف جلب ونشر الأعتدة الليبية الصغيرة والخفيفة وتضييق نطاق المراقبة على عمليات الاتجار التي تتفنن فيها الشبكات الإرهابية والإجرامية، التي تجوب منطقة الساحل بحرية كبيرة. ويجدر التنويه إلـى أن مواجهة التهديدات المشتركة للسلام والأمن في منطقة الساحل وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء بدون إشراك قوي وحقيقي لكل من نيجيريا وتشاد يعد فعـلاً عبثيًّا.
لقـد سرعت الانتفاضات العربية في سنة 2011 وما أعقبها من اضطراب إقليمي، من تغير الديناميات الإقليمية والإفريقية، التي تسعى شعوبها إلى طي صفحة الأنظمة التسلطية والديكتاتورية ولا تزال تدفـع في سبيل ذلك حياتها ومصائرها. أضف إلى ذلك تجديدًا حاصلاً في الأولويات الخاصة بالاستراتيجيات الإفريقية المشتركة، كحتمية التنسيق الأمنـي نظرًا لوجود مساحة شاسعة خارج سيطرة الحكومات في المنطقة، إضافة إلى أن الفراغ الأمني في ليبيا يفرض إرساء تعاون أمني مع دول الساحل من أجل المساعدة على إيقاف عمليات التمرد وتنقل المقاتلين وانتداب المتطرفين وتهريب الأسلحة وتمويل الميليشيات المتمردة، وينادي كثير من المتابعين للشأن الإفريقي بضرورة قيام تحالف دولي وإقليمي لمكافحة الجريمة العابرة للحدود ومعالجة التهديدات العابرة لها وحصر أنشطة الميليشيات الليبية بوصفها الشرارة الأولـى لتقويض الأمن في المنطقة وفي ليبيا التي باتت تقترب شيئًا فشيئًا من الحرب الأهلية أو التقسيم.
ومن شأن توسيع عمليات التنسيق الأمني بين ليبيا والدول الإفريقية أن يسهم في تغير التحديات الأمنية الراهنة. إن الحكومة الليبية التي سبق وأن طالبت بالتدخل الدولي مطالَبة الآن بالتوجه إلى الاتحاد الإفريقي من أجل حثه على تشكيل قوة إفريقية خاصة بأمن حدودها الجنوبية والشرقية، وقطـع الطريق على عمليات تمويل الميليشيات الليبية، وهنالك إمكانية لتمويل هذه القوة من مداخيل النفط الليبي، كبديل حكومـي مؤقت عـن شراء الذخيرة والسلاح الذي غالبًا ما يسقط في أيدي مجموعات الكتائب الأكثر استئسادًا على حكومة طرابلس.

جميع الحقوق محفوظة لمدونة الرأي الأزوادي2014